رجل في الخامسة و الثمانين من عمره لا يشبه أحدا في المدينة لأن أطراف جسده زائدة على قدرما عند مخلوقات الله من البشر و تتميز بلونها النحاسي اٌلأصفر. هكذا يصفونه
لا يمر أسبوع دون أن يصادفه المرء في حي من أحياء المدينة لأنه يجوبها جميعًا، في كل يوم حيّ متوكئ على عصاه الغليظة ما شيا , جالسا، يحييه الناس مارين أو بمتاجرهم أو من أي مكان، بصوت مرتفع لأنه أصيب بالصمم و يوشك على العمى إلا من بصيص يهتدي به و يتعرف به على الأشياء و المواقع و الناس تتراءى له كما لو كانت من وراء حجاب. يحسن إليه الناس دون أن يطلب منهم ذلك لأنه فقد القدرة على مزاولة حرفته كحمال وكانت شغله طيلة خمسين سنة منذ أن حدث له حادث هذه قصته
جل سكان المدينة يعرفون بَّانا يعرفون معه عربته النقالة ذات المقبضين. كان يمشي بينهما جارا البضاعة اٌلمنقولة إلى منتهاها دارا و دكانا أو عمارة. ينادونه جميعا ب" بابانا" حين يتعلق الأمر بإعفائهم من مشقة نقل بضاعتهم أو أمتعتهم المرهقة، أو حتى ما خف عليهم منها و يطيقونه. يطمئنون متأكدين أنها لن تضيع ما دام هو المستأمن عليها
لا يقدر له من الأجر قدر معلوم، لأنه ليس مُصَنَّفاً في أي سلم من وظيفة أو شغل. منك إليه يكون الأداء، و على قدر كرمك أو شحك. و رغم أن بابانا لم يعد شابا مذ أخذت تَدِبُّ الكهولةُ إلى جسده، فهو مازال قادرا على حمل ما اعتاد على حمله من أثقال. لأنه يعرف كيف يرفع و يضع و يبسط الأحجام. كيف يحتال على حملها أو جرها أو سحبها.و من أين يرخي أو يشد أو يقبض أو يُرسل كما يعرف من الكلمات و العبارات و الأمثال ما به يجعل الزبناء كرماء منصفين و ما يلائم يخلهم مُخْسِرين
لم يعد بابانا يتمنى أن يبدل الله حاله بحال أحسن منها منذ اقنع نفسه باكتفائه بما بلغ إليه فيها من شهرة و سمعة ملأت شبابه و رجولته بالعجيب الخير، و الغريب و السيء من الأحداث و الذكريات و مازال طاعماً منها كاسيا مطمئنا إلى ما اعتاد عليه في مزاولتها. كيف لا و هي اٌلتي عرفته على الكثيرين من الناس في مدينته رجالا و نساء من كل الفئات و الأعمار و الطبقات. فخبر من طباعهم و أمزجتهم و أخلاقهم. كما عرف بواسطتها جميع الدروب و المساكن و الساحات و الشوارع و تعاقبت على جسده من فصول السنة بردها و حرها و الاعتدال لا يعيبها في شيء أن تخفى عليه منها أمور و أمور. بل في ذلك ما يزينها و يزيد من قيمتها عنده. من ذلك، هذا الاسم الضخم الذي اٌنمح به اٌسمه لقبا و كنية. هذا الإجماع على إعدامه. رائع أن ينعت به فيغدو أبا لجميع رجال المدينة و نسائها صغيرهم و الكبير وجيههم و الحقير. أية حَاجة عرضت لهم فيها ليتخذوه أبا لهم؟
أتكون فقط في أن يحمل عنهم تلك الأعباء؟ أي سخاء هذا الذي أبدوه تجاهه،فأسندوا إليه كل ما تشتمل عليه الأبوة من رعاية و حنان و توقير؟
في هذه التساؤلات يسرح ذهنه و يحلو له أن يتمادى في التطاول على مقامات الأبوات بلغت إلى سمعه. أبوة في الدين. أبوة في السياسة في التقاليد و الأساطير. تارة يتربع على كرسي هذا أو عرش ذاك، أو سلطان آخر، ممن حملتهم نسبة الاختيار و الاستحقاق إلى ما يقارب الإجماع، أو تفرضه وراثة أو طغيان. ولكن لماذا لا يكافئون أبوة بابانا بما تستحق أبوته من مكرمات مثل أولئك و أولئك
يكتفي بابانا بما يعلل به نفسه، أن المكافأة التي ينتظرها ستأتيه يوم يحتاج إليها. و ظَلَّ يتعينها إلى أن اٌكتهل، إلى أن أتى يوم أدرك فيه بما جرى حقيقته و عرف قدره
يسكن بابانا في بيت متواضع بحي الكدية و التسمية لا تعني ما اٌرتفع من الأرض بقدر أدنى مما يرتفع الجبل، بل من الكدية التي تعني الاستعطاء. لأن جل سكان الحي، منها بسبب فقرهم يتعيشون. فتعوّدوا على احترافها بدل شغل مضن كشغل بابانا الزرزاي النقال الذي يرونه رغم عنائه المزمن يوفق إلى الفوز بوضع أحسن من وضعهم. و لبابانا أم مسنة يعرف الجميع أن لا بيت لها سوى ذلك تدعوه هي أيضا ب بابانا كلآخرين لم يرها أحد تغادر مكانها من البيت بسبب شيخوختها المزمنة و هي التي يحكى عنها أناس معمرون من سنها ما كانت عليه من حيوية و نشاط يدل عليه صوتها الجهوري المرتفع بالثرثرة أو الغناء أو التخاصم و هي تشتغل في البيوت منظفة أو طاهية أو عراضة أو نقافة لم يبق لها من كل ذلك ما يدل على وجودها سوى ابنها بابانا الذي لم يفارقها طوال عمره ـ كما فارقها أبوه المهاجر إلى تلك البلاد البعيدة طلبا للرزق. فانتظرت عودته أعواما و أعواما فلم يعد من أجل ذلك يضيف بعضهم إلى بابانا ولد الهجالة
كان هذا النعت يؤرقه متسائلا في حرج جارح مرٍّ عن صدق ما يتهامس به البعض. فيتمنى في أعماقه لوْ يحدث أمر مَّا يضع حدا لكل هذا التهامس المريب. و لطالما تفادى أماكن التجمعات و الحضور في الولائم و الأعراس هروبا من ذلك التهامس الجارح، إلى أن حدث في ليلة من الليالي ما رآه يحدث حوله كل يوم ممّا يصيب الآخرين حمل أمتعتهم من بيت خال إلى بيت عامر أو العكس. لم تستيقظ أمه تلك الليلة على ندائه المعتاد فور دخوله إلى البيت ليعلن عن حضوره و لم تتحرك حين رفع يدها لتقبيلها كما جرت به عادته كل ليلة قبل أن يسلم جسده للنوم
كانت تلك الليلة أطول من كل الليالي. خيل لبابانا أن ظلامها لن ينجلي أبدا و هو إلى جانب جسد جامد بارد منطو على أسراره،تلك التي عاشت حياتها تواريها كما لو كانت غورا لا قرار له. بمواراتها في التراب سينتهي ذلك التهامس الممض
آن الأوان أن تكون الصلاة على الجنازة شاهداً على البراءة و الطهارة و البياض. شاهداً على العرفان بجميل الصنع من لدن سكن الحي الذين يدينون له جميعا بما حمل لهم أو عنهم من أعباء. سيتركون أشغالهم في ذلك اليوم لتشييع جنازة أمه. أتى اليوم الذي ينتظر أن يكافئوه فيه. أن يكرّم عربته. و ما حملت ما عاش معها و عاشت معه إلا ما فضل أو ثقُل أحاطها بكل ما يُحاط به النعوش من رموز الهيبة و الخشوع، و توسط المقبضين الأملسين في تؤدة و حزن يجره مُصيخًا بكل جسده الكهل، شاخصا صوب المجال من درب إلى درب، و ساحة إلى ساحة، صوب المثوى الأخير
لم يعلن عن عبوره بعويل أو صياح أو براح، إذ لا قبل له باستئجار من يفعل، و لا ينتظر ذلك من محب في الله و صديق وفي جار جُنُب أو وريثٍ متربص
لا أحد قد أسرع لمساعدة بابانا المنكوب فيما هو واجب أو سنة أو مستحب لانتقال جسد أمه من دار الفناء إلى دار البقاء أو يتوقف من حين إلى آخر.ليتًسمَّع وقع خطىً أو صوت تكبير أو تهليل. لا أحد. ثم يتوقف لتتوقف معه كل الأسماء و الأفعال ما الذي سيصنع بابانا باٌلميتة. لا شيء سوى أن يتركها و يمضي. و تبقى هناك في عرض الطريق حتى تتفسخ و تتعفن فيملأ خنزها العالم لأول مرة سيشعر سكان الحي بأن لبابانا رائحة. كيف لم يشموها من قبل؟ ربما لأنه مجرد مخلوق ملحق بأشيائهم مضافٍ إليها، أو مضافة إليه. و أحيانا عنه لا تنفصل. هو الآن في جسد أمه الجثة، يشمون فيها رائحته حتى قبل أن تتحلل و تتفسخ. هو الآن في الذي سوف يصير إليه و في الذي سيصيرون بعد أن يوارى الخنز منهما في التراب و هم الآن بعض من كل ذلك، حتى لو لم يقتربوا من البابانا النِِتنِ و أمه
في لحظة واحدة تحول كل شيء في الحي و ما حمل و ما سوف يحمل إلى خنز
سيستشعرونه في ضمائرهم و ربما سوف يحل في جسد مجذوب آخر يطوف عليهم و هو يصيح: ما لكم لا تفقهون الحال و لسان الحال؟
أنسيتم بهذه السرعة فعلكم بذلك الغطريف الذي كان قد مات، فتسارعتم تحملون جدثه، لا تتساءلون إن كان مثقلا بالمجد أو بالأدران؟ تسارعون به إلى الخلود نادبين راثين باكين؟ مُغماً عليكم ساقطين أو متساقطين و فيكم من ألهبت سياطه الهامات منكم و الأقدام؟ أنسيتم ذلك الذي تعترفون بالوجاهة لأحد سواه فنزهتموه عن أن تلده أنثى قد تفوه منها في يوم ما رائحة خنز كهذه التي تحسونها تخلخل ضمائركم الراكدة مند زمان، لم يحركها ما جرى و يجري من ضروب الخنز في كل مكان؟
و كأني بسكان الحي بأقوال المجذوب قد استيقظوا فإذا الجثة ليست بالمكان، فبهتوا يتساءلون عمن يكون قد تسلل لمواراتها تحت جنح الظلام
لعله بابانا الذي حنى عليها باكيا من ضيم مرّ و يتم لا قرار له، أو أن كائنا من أهل الأرض أو من أهل السماء قد فعل. أو لعلهم سكان الحي جميعا، قد استيقظوا دفعة واحدة فإذا كل واحد منهم، لذلك الجسد مقبرة
منذ ذلك الصباح، و في كل صباح، يمر بابانا بعربته الفارغة، فلا يجرؤ أن ينادي عليه أحد
لا يمر أسبوع دون أن يصادفه المرء في حي من أحياء المدينة لأنه يجوبها جميعًا، في كل يوم حيّ متوكئ على عصاه الغليظة ما شيا , جالسا، يحييه الناس مارين أو بمتاجرهم أو من أي مكان، بصوت مرتفع لأنه أصيب بالصمم و يوشك على العمى إلا من بصيص يهتدي به و يتعرف به على الأشياء و المواقع و الناس تتراءى له كما لو كانت من وراء حجاب. يحسن إليه الناس دون أن يطلب منهم ذلك لأنه فقد القدرة على مزاولة حرفته كحمال وكانت شغله طيلة خمسين سنة منذ أن حدث له حادث هذه قصته
جل سكان المدينة يعرفون بَّانا يعرفون معه عربته النقالة ذات المقبضين. كان يمشي بينهما جارا البضاعة اٌلمنقولة إلى منتهاها دارا و دكانا أو عمارة. ينادونه جميعا ب" بابانا" حين يتعلق الأمر بإعفائهم من مشقة نقل بضاعتهم أو أمتعتهم المرهقة، أو حتى ما خف عليهم منها و يطيقونه. يطمئنون متأكدين أنها لن تضيع ما دام هو المستأمن عليها
لا يقدر له من الأجر قدر معلوم، لأنه ليس مُصَنَّفاً في أي سلم من وظيفة أو شغل. منك إليه يكون الأداء، و على قدر كرمك أو شحك. و رغم أن بابانا لم يعد شابا مذ أخذت تَدِبُّ الكهولةُ إلى جسده، فهو مازال قادرا على حمل ما اعتاد على حمله من أثقال. لأنه يعرف كيف يرفع و يضع و يبسط الأحجام. كيف يحتال على حملها أو جرها أو سحبها.و من أين يرخي أو يشد أو يقبض أو يُرسل كما يعرف من الكلمات و العبارات و الأمثال ما به يجعل الزبناء كرماء منصفين و ما يلائم يخلهم مُخْسِرين
لم يعد بابانا يتمنى أن يبدل الله حاله بحال أحسن منها منذ اقنع نفسه باكتفائه بما بلغ إليه فيها من شهرة و سمعة ملأت شبابه و رجولته بالعجيب الخير، و الغريب و السيء من الأحداث و الذكريات و مازال طاعماً منها كاسيا مطمئنا إلى ما اعتاد عليه في مزاولتها. كيف لا و هي اٌلتي عرفته على الكثيرين من الناس في مدينته رجالا و نساء من كل الفئات و الأعمار و الطبقات. فخبر من طباعهم و أمزجتهم و أخلاقهم. كما عرف بواسطتها جميع الدروب و المساكن و الساحات و الشوارع و تعاقبت على جسده من فصول السنة بردها و حرها و الاعتدال لا يعيبها في شيء أن تخفى عليه منها أمور و أمور. بل في ذلك ما يزينها و يزيد من قيمتها عنده. من ذلك، هذا الاسم الضخم الذي اٌنمح به اٌسمه لقبا و كنية. هذا الإجماع على إعدامه. رائع أن ينعت به فيغدو أبا لجميع رجال المدينة و نسائها صغيرهم و الكبير وجيههم و الحقير. أية حَاجة عرضت لهم فيها ليتخذوه أبا لهم؟
أتكون فقط في أن يحمل عنهم تلك الأعباء؟ أي سخاء هذا الذي أبدوه تجاهه،فأسندوا إليه كل ما تشتمل عليه الأبوة من رعاية و حنان و توقير؟
في هذه التساؤلات يسرح ذهنه و يحلو له أن يتمادى في التطاول على مقامات الأبوات بلغت إلى سمعه. أبوة في الدين. أبوة في السياسة في التقاليد و الأساطير. تارة يتربع على كرسي هذا أو عرش ذاك، أو سلطان آخر، ممن حملتهم نسبة الاختيار و الاستحقاق إلى ما يقارب الإجماع، أو تفرضه وراثة أو طغيان. ولكن لماذا لا يكافئون أبوة بابانا بما تستحق أبوته من مكرمات مثل أولئك و أولئك
يكتفي بابانا بما يعلل به نفسه، أن المكافأة التي ينتظرها ستأتيه يوم يحتاج إليها. و ظَلَّ يتعينها إلى أن اٌكتهل، إلى أن أتى يوم أدرك فيه بما جرى حقيقته و عرف قدره
يسكن بابانا في بيت متواضع بحي الكدية و التسمية لا تعني ما اٌرتفع من الأرض بقدر أدنى مما يرتفع الجبل، بل من الكدية التي تعني الاستعطاء. لأن جل سكان الحي، منها بسبب فقرهم يتعيشون. فتعوّدوا على احترافها بدل شغل مضن كشغل بابانا الزرزاي النقال الذي يرونه رغم عنائه المزمن يوفق إلى الفوز بوضع أحسن من وضعهم. و لبابانا أم مسنة يعرف الجميع أن لا بيت لها سوى ذلك تدعوه هي أيضا ب بابانا كلآخرين لم يرها أحد تغادر مكانها من البيت بسبب شيخوختها المزمنة و هي التي يحكى عنها أناس معمرون من سنها ما كانت عليه من حيوية و نشاط يدل عليه صوتها الجهوري المرتفع بالثرثرة أو الغناء أو التخاصم و هي تشتغل في البيوت منظفة أو طاهية أو عراضة أو نقافة لم يبق لها من كل ذلك ما يدل على وجودها سوى ابنها بابانا الذي لم يفارقها طوال عمره ـ كما فارقها أبوه المهاجر إلى تلك البلاد البعيدة طلبا للرزق. فانتظرت عودته أعواما و أعواما فلم يعد من أجل ذلك يضيف بعضهم إلى بابانا ولد الهجالة
كان هذا النعت يؤرقه متسائلا في حرج جارح مرٍّ عن صدق ما يتهامس به البعض. فيتمنى في أعماقه لوْ يحدث أمر مَّا يضع حدا لكل هذا التهامس المريب. و لطالما تفادى أماكن التجمعات و الحضور في الولائم و الأعراس هروبا من ذلك التهامس الجارح، إلى أن حدث في ليلة من الليالي ما رآه يحدث حوله كل يوم ممّا يصيب الآخرين حمل أمتعتهم من بيت خال إلى بيت عامر أو العكس. لم تستيقظ أمه تلك الليلة على ندائه المعتاد فور دخوله إلى البيت ليعلن عن حضوره و لم تتحرك حين رفع يدها لتقبيلها كما جرت به عادته كل ليلة قبل أن يسلم جسده للنوم
كانت تلك الليلة أطول من كل الليالي. خيل لبابانا أن ظلامها لن ينجلي أبدا و هو إلى جانب جسد جامد بارد منطو على أسراره،تلك التي عاشت حياتها تواريها كما لو كانت غورا لا قرار له. بمواراتها في التراب سينتهي ذلك التهامس الممض
آن الأوان أن تكون الصلاة على الجنازة شاهداً على البراءة و الطهارة و البياض. شاهداً على العرفان بجميل الصنع من لدن سكن الحي الذين يدينون له جميعا بما حمل لهم أو عنهم من أعباء. سيتركون أشغالهم في ذلك اليوم لتشييع جنازة أمه. أتى اليوم الذي ينتظر أن يكافئوه فيه. أن يكرّم عربته. و ما حملت ما عاش معها و عاشت معه إلا ما فضل أو ثقُل أحاطها بكل ما يُحاط به النعوش من رموز الهيبة و الخشوع، و توسط المقبضين الأملسين في تؤدة و حزن يجره مُصيخًا بكل جسده الكهل، شاخصا صوب المجال من درب إلى درب، و ساحة إلى ساحة، صوب المثوى الأخير
لم يعلن عن عبوره بعويل أو صياح أو براح، إذ لا قبل له باستئجار من يفعل، و لا ينتظر ذلك من محب في الله و صديق وفي جار جُنُب أو وريثٍ متربص
لا أحد قد أسرع لمساعدة بابانا المنكوب فيما هو واجب أو سنة أو مستحب لانتقال جسد أمه من دار الفناء إلى دار البقاء أو يتوقف من حين إلى آخر.ليتًسمَّع وقع خطىً أو صوت تكبير أو تهليل. لا أحد. ثم يتوقف لتتوقف معه كل الأسماء و الأفعال ما الذي سيصنع بابانا باٌلميتة. لا شيء سوى أن يتركها و يمضي. و تبقى هناك في عرض الطريق حتى تتفسخ و تتعفن فيملأ خنزها العالم لأول مرة سيشعر سكان الحي بأن لبابانا رائحة. كيف لم يشموها من قبل؟ ربما لأنه مجرد مخلوق ملحق بأشيائهم مضافٍ إليها، أو مضافة إليه. و أحيانا عنه لا تنفصل. هو الآن في جسد أمه الجثة، يشمون فيها رائحته حتى قبل أن تتحلل و تتفسخ. هو الآن في الذي سوف يصير إليه و في الذي سيصيرون بعد أن يوارى الخنز منهما في التراب و هم الآن بعض من كل ذلك، حتى لو لم يقتربوا من البابانا النِِتنِ و أمه
في لحظة واحدة تحول كل شيء في الحي و ما حمل و ما سوف يحمل إلى خنز
سيستشعرونه في ضمائرهم و ربما سوف يحل في جسد مجذوب آخر يطوف عليهم و هو يصيح: ما لكم لا تفقهون الحال و لسان الحال؟
أنسيتم بهذه السرعة فعلكم بذلك الغطريف الذي كان قد مات، فتسارعتم تحملون جدثه، لا تتساءلون إن كان مثقلا بالمجد أو بالأدران؟ تسارعون به إلى الخلود نادبين راثين باكين؟ مُغماً عليكم ساقطين أو متساقطين و فيكم من ألهبت سياطه الهامات منكم و الأقدام؟ أنسيتم ذلك الذي تعترفون بالوجاهة لأحد سواه فنزهتموه عن أن تلده أنثى قد تفوه منها في يوم ما رائحة خنز كهذه التي تحسونها تخلخل ضمائركم الراكدة مند زمان، لم يحركها ما جرى و يجري من ضروب الخنز في كل مكان؟
و كأني بسكان الحي بأقوال المجذوب قد استيقظوا فإذا الجثة ليست بالمكان، فبهتوا يتساءلون عمن يكون قد تسلل لمواراتها تحت جنح الظلام
لعله بابانا الذي حنى عليها باكيا من ضيم مرّ و يتم لا قرار له، أو أن كائنا من أهل الأرض أو من أهل السماء قد فعل. أو لعلهم سكان الحي جميعا، قد استيقظوا دفعة واحدة فإذا كل واحد منهم، لذلك الجسد مقبرة
منذ ذلك الصباح، و في كل صباح، يمر بابانا بعربته الفارغة، فلا يجرؤ أن ينادي عليه أحد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق