الأربعاء، ٢٠ ديسمبر ٢٠٠٦

لقطة من حدائقنا العمومية

عمرها سبع سنوات، رشيقة كالنغم الحالم. بلون لها أسمر إلى البياض يميل. تشعر من ابتسامة شفتيها و العينين، أنك سابح في فضاء براءة تصبغ عليك نعمة الإحساس بجمال الوجود. أما صوتها بجرْسه الساحر، فكأنك منه في رحاب شلال الإمتاع المتدفق الواهب
أقبلت علي بكل هذا الفيض الغامر ملتمسة بمجامع الملاحة والحلاوة في محياها الصبي، أن أتجول بها في الحديقة العمومية المجاورة. لم أملك إلا التلبية. و أنا و إياها نخطو برفق و يدها الصغيرة الطرية في كفي، تسحبها تارة و تتركها أخرى، خطرت لي من صمتها و صمتي خواطر شاعر يقطع بالشعر أيامه التي أخذ السام يدب فيها من طول غياب الحماس الثائر، و من ضيم حظ عاثر، في لحظة تجلٍّ من براءة، أو بهاء مكنون، أو سر محجوب مدفون، أو قيمة إنسانية عليا، و كل ما يشعره بأن الحياة مازال بها بعض الخيرمن طول الصمت و زحمة المرور، بادرت حفيدتي الصغيرة، و الصغار بسرعة من حال إلى حال ينتقلون، و عن كل شيء يسألون"بابو" بهذا الاسم دائما تناديني"بابو" أقطف لي وردة من أجل "ماما"
ـ لو قطفت لكل طفلة وردة من أجل ماما لبدت الحديقة حزينة ناقصة الجمال أليس كذلك؟
ـ نعم بابو. و نزعت يدها من كفي لتنطلق إلى الجهة المخصصة للأطفال من الحديقة، و هي عبارة عن ألف متر مربع يتوسطه حوضا رمال ركزت بهما ثلاث سلالم منحنية، اثنان للتسلق، و الثالث يُصعد من جانبه الآخر للتزحلق. لا عشب حولها أخضر، و لا ماء و لا حراسة، و لا وسائل إسعاف لو حدث حادث. بل قشور زريعة و موز، و أعقاب سجائر و مزق و أوراق ونفايات
هذه حصة أطفالنا في إحدى كبريات الحدائق العمومية بالعدو تين
مكثت فترة متحملا جهد الذي به تسام الصغيرة من هذا المكان القفر الملوث، ثم واصلنا بعدها السير في الحديقة نطوف من ممشى على ممشىً، بين الأشجار. فبادرتها و هي تمطرني بأسئلتها عن كل شيء، لأستطلع رصيدها من معرفة أسماء الأشجار و الورود والأزهار، فبُهتت أن لا تعرف من أسمائها غير الشجرة و الوردة والزهرة. و أخجلني أن يستمر التعليم العقيم الذي كان و مازال يستعاد في أبنائنا و أحفادنا. ووجدت نفسي أقول بصوت مرتفعـ كيف لا يتلفون، و لا يخربون؟
ـ ماذا قلت يا بابو
ـ إني مثلك أعبث يا بنيتي
هل نعود بابو إلى الحديقة غدا لتعرفني على أسماء الورود والزهور و الأشجار؟
ـ نعم، ثم حولت اتجاهي مغادرا هاربا من الأسئلة المحرجة حول شرذمة تشرب الكحول الرديء في ظل شجرة، و تترامى على بعضها البعض بوحشية مخيفة، و تعترض طريق النساء اصطحبن أولادهن للتزود بشميم الاكسوجين أو تزعج فتيات يراجعن دروسهن استعدادا للامتحان، و أخريات من "بياعات الهوى" يقفن على أبوب الحديقة و يساومن على أجسادهن. بما ذا عساي أجيب صغيرتي عن كل هذا و غيره، و عن المسؤولية و المسؤول، و كيف المعمول، ليتنفس أطفالنا في فضاء نظيف خال من التلوث و الرذيلة و فساد الذوق؟

ليست هناك تعليقات: