الأربعاء، ٢٠ ديسمبر ٢٠٠٦

الفقيه العربي

الجماعون أنواع و فئات لا يحصيها عد. فمن جماعي التحف النادرة، إلى جماعي الأشياء البسيطة المتداولة في حياة الناس العادية. ما يساوي منها الملايين و الملايير، و ما لا يتعدى ثمنه بضع دريهمات
و إذا كان للجماعين من كل ذلك ما يرضي ولعهم، أو يشبع فضولهم، أو ما يشير إلى حسهم الحضاري و الفني، أو إلى حالة مَرَضية فيهم، فإن الفضل يرجع إليهم في الحفاظ على الكثير من المبتدعات و المستحدثات. بل لا يقل دورهم عن دور المتاحف والخزانات و المجمعات و المعاهدو من أغرب من صادفت من بعضهم جماعا للعصي. لا تدفعه هواية أو اتّجار أو انحراف، أو رغبة في التملك من أجل التملك. بل لغاية يجليها الحوار التاليفي بيته الذي يحتوي على المثير من نوادر الكتب الأدبية والتسجيلات الفنيةقلت لصاحبي: أرى في بيتك عصيا كثيرة، هل أنت جماع للعصي أيضا؟
ـ نعم أنا جماع للعصي أيضاـ هل لي أن أعرف المزيد؟
قام من مجلسنا الذي نحن فيه، و قادني إلى حجرة صغيرة من نوع الحجرات التي كانت البيوت المغربية القديمة تخصصها لتخزين أو غيره من المنافع: "قوس"
فاندهشت لكثرة العصي و تنوعها
الطويلة، و القصيرة، ما رقّ منها و ما غلُظ. و المعقوفة، والمدببة و الملساء، و التي في طرفها عقدة على قدر قبضة اليد، والمنتهية بسوط جلدي أو حبل مفتول أو سلك حديدي مقوى
أخذ صاحبنا الجماع يدلني على بقع الدم و بقايا الشعر اللاّصق بها، و مواضع تكسرها من شدة الضرب، مما أثار في نفسي تأثرا وتوترا ليس بعدهما من مزيد. فغادرت المكان على التو
ـ لمن هذه العصي؟
ـ للجلادين، نعم، للجلادين
ـ أما يزال في عصرنا، عصر الديمقراطيات و حقوق الإنسان، جلادون؟
إبتسم الفقيه العربي ابتسامة إشفاق ساخرة و قال: لن أدخل معك في جدال حول مضمون سؤالك. و لكن ينبغي أن تعلم أيها الشاعر الرقيق المرهف، أنهم يجلدون لسبب. أو لغير سببٍ بل يُحَمِّلون المجلود جر عربات مثقلة بأكياس كبيرة و يردفون راكبا أو أكثر، و يمر بالشوارع العمومية على حاله ذلك، دون أن يلتفت إليه أحد، حتى أوصياء الأمر. فأبادر أنا إلى انتزاع هذه العصي والسياط من أيدي الجلاد. و قد أنْهالُ عليه بها، أذيقه مما صنعأضاف صاحبي. لقد أنْطَقْنا الحيوانَ معبرا عن معاناته منذ كليلة و دمنة، إلى الرسوم المتحركة. ما لهذا الإنسان لا يرحم؟
هذا شأن الفقيه العربي في مدينة لا يقل عدد سكانها عن مليون نسمةلا أخفي أن حدة تأثري قد خفت لدى سماعي أن المجلود حيوان و ليس بإنسان. كأن جلد الحيوان شيء عادي لا يثير أي شفقة أو اشمئزاز. إذن ففي داخلي أنا أيضا جلاد و إني لمدين للفقيه العربي الذي نبهني إلى وجوده في ركن مظلم من النفس الأمارة بالسوء

ليست هناك تعليقات: