الأربعاء، ٢٠ ديسمبر ٢٠٠٦

اللي شاف يبكي

كنا ثلاثة في مقصورة قطار. ننطلق من نفس المكان إلى نفس المكان. محكوم علينا لطول المسافة، أن نتبادل الكلام باللسان أو بالعيان. كنت أنا أقل رغبة من الاثنين،الشاب و الشابة ينتهزان كل فرصة متاحة، من أجل ذلك، للذكر رفع الحقيبة الثقيلة إلى الرف، عساه يفوز بكلمة شكر يدين بها للأنثى، و للأنثى اختلاس النظرات و الانهماك المترنح بأسلوبها الأنثوي في معالجة تقاطع الكلمات
و ابتدأ الكلام بإقبال بائع المرطباتـ تشربين شيئا؟
ـ و بمنطق كقطر الندى
إسمح لي
لا أشرب
لا آكل، حتى "لْميدي": تعني : منتصف النهار و من تم لم ينقطع الحديث إلى نهاية السير. ثرثرة الشباب، و رعونة الشباب، وكل ما ينسجم مع تلقائية الشبابأما أنا، فقد عانيت من ذلك الحوار. كان الفتى مُعَرَّبا و الفتاة مفرنسة. و لم يكن أي منهما يهتم كثيرا بما نسميه نحن في جيلنا بالتجاوب. إلا حين يتعلق الأمر بالإغواء الجسدي المتبادلكنت أنا أحس بتوتر و ضغط شديدين، من الحوار الأعمى، فتعظم الرغبة في نفسي بالتدخل للتصحيح، فأكبحها اتقاءً لسوء رد محتمللم يخفف من وطأة البلاء، سوى فترات تساؤل صامت يثير في نفوسنا نحن الكتاب عادة، هموم قضايانا الكبيرة، التي ما طفقنا نجترها و تحيرنا، و تحير من يستشرق فيها و من يستغرب و من تستأصل أو يستحدثالأصالةـ المعاصرةـ الهُويةـ العالميةـ المحلية عائدات العرب خلافات العرب الاستلاب الاغتراب ألخو تبقى ميرسي و ميدي و بيانتو، و سيرتو، و ديجا و إيليم، و دوزيم، تبقى دائما تُخصب و تُخصب. و هي السيدة و السائدة حين الحديث عن أرقى الصالونات و المأكولات، و أحلى الأنغام و أحسن الأفلام و أشهر الأزياء و اللوحات و الرجال، و مستحدثات التكنولوجيا و أدق العلوم. و حتى في التافه و المتخلف و الدارج يبقى للمستعربين ما يبقى، و للمتفرنسين ما يبقى. لهؤلاء مسارحهم و ملاهيهم و مدارسهم و مؤسساتهم، و لتلك أخرى، لا تجاريها أو تشبهها، و مع ذلك، يختلطون في الشارع و المكتب و المجلس البلدي و البرلمان و الحكومة و معصورة العطار. فكيف يتفاهمون ويخططون؟
لم أطق و أنا أتلظى، فجازفت بالسؤال بعد الاستئذان
ـ هل لي أن أسألكما؟
ـ فقط من أجل السؤال
ما السبب الذي يجعلكما تخلطان لغة بلغة في مواضيع جد بسيطة، في غنى عن استعارة لغة ذا أو لغة ذاك؟
قالت الفتاة: بصراحة
قلت: بكل صراحة
قالت: ترْبيتْكُم "آ بّواتنا"
لم أكن أتوقع جوابا كهذا، و لكنني أحسست بالخجل في حق أبنائي بسكوتي وجُبْني و هم يستلبون

ليست هناك تعليقات: