الأربعاء، ٢٠ ديسمبر ٢٠٠٦

بلعيد

و هذا السيد بلعيد صديق والدي. كُنا نرحل إلى ضيعته في فصل الربيع أو أيام جني الزيتون فيستقبلنا بما يليق بمقام أهل الحضر من حفاوة و كرم. و حين نغادر، يملأ سلاتنا و صناديقنا بأجود نتاج أرضه من زيت و زيتون و بيض و دجاج و غلات الموسم. هذا الفلاح الشهم الذي كنا قد فتنْنا به صغارا و فتنْنا عنه كبارا يعيش وضيعته اليوم أرذل العمر. فقد غادر أبناؤه كباقي الشباب الفلاح الضيعة إلى المدينة المغرية بألوان الفرص والتسلية، في البت و المقهى، و النادي و الملهى، و بنات الليل والشميم، و الحلم البراق على واجهات المتاجر و الشاشات، والجرائد و الكتب. غادروا الضيعة و نبذوا الجلاليب و الفؤوس، و انتشروا في المدينة بحثا عن عمل و سكن لا يوجدان إلى في الأمل الفسيح يحملونه، و دونه المخاطر و المهالكبقي بلعيد صديق والدي الشيخ، مع شيوخ الضيعات و قد رحلت عنهم السواعد القوية إلى حيث الغنى الذي سوف يعودون به من هجرتهم كهؤلاء الواردين الجدد، بمشاركتهم أساليبهم، يأخذون كل شيء و لا يعطون أي شيءهؤلاء المنبوذون في ضيعا تهم المتهالكة، لا تطلعنا وسائل الإعلام على مآسيهم حين تتحدث عن شيوخ أوروبا المنبوذين في الملاجئ و دور العجزة، و تصف أبناءهم بالعقوق و الضلال ناسية أو متناسية أن شيوخهم يتمتعون بضمان اجتماعي يصون دم الوجه. لنجعل لهم الحد الأدنى من كرامة الإنسان و نجنبهم مذلة التسول في سويقات المدينة، و على أبوب المساجد و المقابر. وقد فقدوا كل أمل في العثور عن الولد الشغال أو الضال، أو الذي ألقى به الضياع إلى سجن أو رصيف

ليست هناك تعليقات: