الأربعاء، ٢٠ ديسمبر ٢٠٠٦

الفاطمة

تمر بالشوارع التجارية الكبرى، بمدن فرنسا الكبرى، فتقع عيناك بين حين و حين، على السمراء المغربية، تعبر الممر إلى الرصيف الآخر، في الحشد الجافل من الشقراوات ذوات العيون الزرقاء و الخضراء، ترسل نظرة الغريب إلى الغريب، في تمايلها الساخن العفيف، و اللواتي يعبرن الشارع من أشباهها كثيرات، فتتساءل. و يجيء الجواب، و أنت على المائدة ضيف مغربي عابر، تعوّد على تناول غذائه في البلد وقت الزوال، و سيدة البيت تقدم الطعام، و تشرف على المائدة و الضيوف، من البسملة إلى الحمدلة، و أبو الولد يمد رجليه في غفوة قد تطول أو تقصرلا نساء في البيوت هنا بالنهار أيها الضيف المغربي العابر. كلهن أو جلهن في "الميناج" و الطعام في الثلاجة مشطور للباقين الخوالف، من أطفال ضائعين، و بالغين عاطلين، و دارسين مطرودين مع إيقاف التنفيذ. حتى إذا جاء المساء، عادت السمراء من الميناج متعبة، مسرعة تُعدّ الطعام، مسرعة تأكل، مسرعة تنام على ضجيج تعاقب فنوات التلفزيون الدسمة. هذه حالها إلى نهاية الأسبوع حيث ينتظرها المناج الأكبر، المثقل بالمتاع التلاوة (soldes) الرخيص. و تكابد، و تحمل و تلد، و تنفق على البيت و الزوج العاطل، و الولد الضائع و الأهل في البلد الحبيب، و قد طال غيابها عنه و عن شمسه، غير ناسية زيارتها الأخيرة. و في كل زيارة تسترضيهم بهدايا ترهق و لا تكفي، ثم تعود مشتاقة أو راضية بجحيمه الذي تعودت على مكابدته. كل هذا من أجل الأولاد ليدرسوا و يندمجوا فلا يدرسون و لا يندمجون. و من أجل أن لا يكونوا أغرابا على البلد الحبيب، فلا يعودون، و ربما تأتي موجة عنف، فينتهي كل شيء. و ربما يأتي حظ من تجنيس، و ربما يفتح الله فتفوز بمن ينفق، من ذرية أو مما اختزنته من عرق "الميناج" في صندوق ائتمان يوم يضيق الحالحاولت أن اقرأ على وجهها تلك المغربية، ما يوحي بأنها ليست محنة بالقدر الذي أتصور فاستمرئ مع نهاية الرحلة ذكرى طعام تعدمه يدان "مقرنفتان" شريفتان. حاولت أن أقرأ شيئا غير الذي أرى و أسمع، لا شيء. وجوه نزعت عنها ملامح التعبير، فإذا هي قد ماتت منذ زمان، منذ ماتت فيها الأنثى، منذ مات الحب والغيرة. تلهما الفرنسي خلف "الميناج" و الزوج الذي نسي رجولته، الزوج القوام على المرأة يصون جسدها و جمالها وحبها. و نسيها مجتمعها الساكت، و هي إلى الإشهار و التلميع مستوردة، و الإثارة و الجنس متبرجة، و قد ترحل إلى البلد آخر رحلة لتبيع البيت المقام على أرض الوطن، كانت قد اشترته للعودة. تبعه لتستريح من متاعب مستأجر مُخلف، أو مؤتمن مخادع،بعد يأس من عود محتمل، تبيعه لتشتري بثمنه زواجا أبيض، خاليا من زغرودة أفراح البلد، و رقصة البلد. حتى "معيور" البلد الذي لا تأتيه بعدُ إلا في صندوق خشبي بالباهظ من عرق "الميناج" سددته لسنين و سنين لشركة "إيجاد"، و يا له من إنجادو تلك أخرى، لا تكاد تميز مغربيتها إلا في لهجة مستعربة كلهجة الأجانب. و يقولون أنها استطاعت أن تندمج، إذ فازت بأن تختار لها فرنسيا يستهويه الزين العربي و البلد العربي، و ما يوفر عليه نكد المساواة، بإسلام يعلنه و لا يضمره، تيسيرا لطلاق حتى بالنيابةتلك أخرى بموازاة المؤهلات و التحايل. يرى فيها الجيل الأول البنت الضالة، التي حظيت ببعض العلم واكتسبت به بعض الوسيلة لإثبات الوجود بالذي هو مشروع عندهم وقانون. فتستوعبها جمعية أو مؤسسة، بهدف ترشيحها للدفاع عن المرأة المسلمة المقموعة الراكعة المستعبدة من طرف الرجل: الأنتيكريست" فيُسمع صوتها و تعرض صورُها و يَتَلقَّف إنتاجَها إعلام مغرض مهللا و معجبا بهذا النموذج الذي فاز بالحرية و بتفكير يسفه به المقدسات. بالاستقلال، و بالتصرف في جسده حتى خلف واجهات عرض الأجساد في" بيچال و بْرَبانْ" و غيرهما من أسواق بيع الأجساد كثير. و هكذا يشتهر منهن في الصحافة و الفن و الانحراف، فَتَكَوَّن بذلك كله لدى الأوروبي العادي الاقتناع بأن الغرب قادر على أن يفعل هذا بكل شباب العالم الثالثتلك أخرى، من هذا النموذج أو ذاك، تبدأ رحلة أخرى تنتهي إلى جحيم المغامرة المشحون بالمصائر المظلمة في بارات ومقاصف التجارة في الرقيق الأبيض و الأسمر، إشباعا لغرائز أصحاب التركيب المزجي من ذال الذهب الأسود و دال الدولار الأخضر. تعبئة وراء تعبئة إلى حيث الدال القاتلة" دْرُوك"
رغم ذلك كله و لحسن الحظ تتبين بينهن و أنت تتجول وتستطلع، أو تسعفك الصدفة، باللقاء بسفيرات ترى على جبينهن العفاف و التأبي، رحلن للاستفادة من أجل المساهمة في بناء البلد ينهلن لأجله من معرفة شاءت الظروف أن لا توجد في بلدهن و أن توجد في الغرب. و يعتبرنها جزءا من عطاء الإنسان من كل مكان و من كل العصور. قليلات، و لكنهن يمتلكن الرؤية الهادئة، البعيدة عن التوتر و العصبية و التعصب. تجاوزن بها الحيرة و التمزق والضياع، إلى الوعي بان الأزمة في الواقع هي أزمة الإنسان ككل، و أن تجاوزها ليس مستحيلا إذا انطلق شبابنا العربي و معه الشباب في كل بلاد الدنيا الثالثة، من مواقع الدفاع ضد كل ما هو غير إنساني في هذا العالم الشقي بمادياته الطاغية القاهرة في الشرق والغرب

ليست هناك تعليقات: