الخميس، ٢١ ديسمبر ٢٠٠٦

من قانا و أخواتها

أنا الطفلُ الشهيدْ

و هذا وليّ أمري اٌلذي

كان قد ماتْ

مُنْذُ اٌكتفى بالعَبَراتْ

و صهيونُ تُذِلّهُ و

تٌُذِلّني

و تذبح أمي و إخوتي و الأخَوات

و تقصِفُ بيتِي

و مَسْجِدِي و مدرسَتي

و لُعَبي و الأدواتْ

أنا الطفلُ الشّهيذْ

و هذا وَليّ أمري الذي

أَعِفّ عن نعتهِ باٌلكَلِماتْ

ليتَه وَليّ أمْري

ذاكَ اٌلمجاهِدَ سِبْط الأُباة

ذاكَ الذي

من النّصر اٌشتُقَّ اٌسمُهُ

و المحاسنِ و المَكْرُمَاتْ

ذاك الذي

أعاد لليائسينَ مَعنى الحَياةْ

بارَكَهُ اللّهُ وَلِيّاً

و أبقى ذِكْرَهُ في اٌلّصّالِحاتْ

لُــبنــا ن
و حَقِّ الذي أبدعها

بعد قَـانَـا

لن تنجبَ رٍعْدِيداًأبَدَ الدّهر الإناثْ

الأربعاء، ٢٠ ديسمبر ٢٠٠٦

لقطة من حدائقنا العمومية

عمرها سبع سنوات، رشيقة كالنغم الحالم. بلون لها أسمر إلى البياض يميل. تشعر من ابتسامة شفتيها و العينين، أنك سابح في فضاء براءة تصبغ عليك نعمة الإحساس بجمال الوجود. أما صوتها بجرْسه الساحر، فكأنك منه في رحاب شلال الإمتاع المتدفق الواهب
أقبلت علي بكل هذا الفيض الغامر ملتمسة بمجامع الملاحة والحلاوة في محياها الصبي، أن أتجول بها في الحديقة العمومية المجاورة. لم أملك إلا التلبية. و أنا و إياها نخطو برفق و يدها الصغيرة الطرية في كفي، تسحبها تارة و تتركها أخرى، خطرت لي من صمتها و صمتي خواطر شاعر يقطع بالشعر أيامه التي أخذ السام يدب فيها من طول غياب الحماس الثائر، و من ضيم حظ عاثر، في لحظة تجلٍّ من براءة، أو بهاء مكنون، أو سر محجوب مدفون، أو قيمة إنسانية عليا، و كل ما يشعره بأن الحياة مازال بها بعض الخيرمن طول الصمت و زحمة المرور، بادرت حفيدتي الصغيرة، و الصغار بسرعة من حال إلى حال ينتقلون، و عن كل شيء يسألون"بابو" بهذا الاسم دائما تناديني"بابو" أقطف لي وردة من أجل "ماما"
ـ لو قطفت لكل طفلة وردة من أجل ماما لبدت الحديقة حزينة ناقصة الجمال أليس كذلك؟
ـ نعم بابو. و نزعت يدها من كفي لتنطلق إلى الجهة المخصصة للأطفال من الحديقة، و هي عبارة عن ألف متر مربع يتوسطه حوضا رمال ركزت بهما ثلاث سلالم منحنية، اثنان للتسلق، و الثالث يُصعد من جانبه الآخر للتزحلق. لا عشب حولها أخضر، و لا ماء و لا حراسة، و لا وسائل إسعاف لو حدث حادث. بل قشور زريعة و موز، و أعقاب سجائر و مزق و أوراق ونفايات
هذه حصة أطفالنا في إحدى كبريات الحدائق العمومية بالعدو تين
مكثت فترة متحملا جهد الذي به تسام الصغيرة من هذا المكان القفر الملوث، ثم واصلنا بعدها السير في الحديقة نطوف من ممشى على ممشىً، بين الأشجار. فبادرتها و هي تمطرني بأسئلتها عن كل شيء، لأستطلع رصيدها من معرفة أسماء الأشجار و الورود والأزهار، فبُهتت أن لا تعرف من أسمائها غير الشجرة و الوردة والزهرة. و أخجلني أن يستمر التعليم العقيم الذي كان و مازال يستعاد في أبنائنا و أحفادنا. ووجدت نفسي أقول بصوت مرتفعـ كيف لا يتلفون، و لا يخربون؟
ـ ماذا قلت يا بابو
ـ إني مثلك أعبث يا بنيتي
هل نعود بابو إلى الحديقة غدا لتعرفني على أسماء الورود والزهور و الأشجار؟
ـ نعم، ثم حولت اتجاهي مغادرا هاربا من الأسئلة المحرجة حول شرذمة تشرب الكحول الرديء في ظل شجرة، و تترامى على بعضها البعض بوحشية مخيفة، و تعترض طريق النساء اصطحبن أولادهن للتزود بشميم الاكسوجين أو تزعج فتيات يراجعن دروسهن استعدادا للامتحان، و أخريات من "بياعات الهوى" يقفن على أبوب الحديقة و يساومن على أجسادهن. بما ذا عساي أجيب صغيرتي عن كل هذا و غيره، و عن المسؤولية و المسؤول، و كيف المعمول، ليتنفس أطفالنا في فضاء نظيف خال من التلوث و الرذيلة و فساد الذوق؟

بلعيد

و هذا السيد بلعيد صديق والدي. كُنا نرحل إلى ضيعته في فصل الربيع أو أيام جني الزيتون فيستقبلنا بما يليق بمقام أهل الحضر من حفاوة و كرم. و حين نغادر، يملأ سلاتنا و صناديقنا بأجود نتاج أرضه من زيت و زيتون و بيض و دجاج و غلات الموسم. هذا الفلاح الشهم الذي كنا قد فتنْنا به صغارا و فتنْنا عنه كبارا يعيش وضيعته اليوم أرذل العمر. فقد غادر أبناؤه كباقي الشباب الفلاح الضيعة إلى المدينة المغرية بألوان الفرص والتسلية، في البت و المقهى، و النادي و الملهى، و بنات الليل والشميم، و الحلم البراق على واجهات المتاجر و الشاشات، والجرائد و الكتب. غادروا الضيعة و نبذوا الجلاليب و الفؤوس، و انتشروا في المدينة بحثا عن عمل و سكن لا يوجدان إلى في الأمل الفسيح يحملونه، و دونه المخاطر و المهالكبقي بلعيد صديق والدي الشيخ، مع شيوخ الضيعات و قد رحلت عنهم السواعد القوية إلى حيث الغنى الذي سوف يعودون به من هجرتهم كهؤلاء الواردين الجدد، بمشاركتهم أساليبهم، يأخذون كل شيء و لا يعطون أي شيءهؤلاء المنبوذون في ضيعا تهم المتهالكة، لا تطلعنا وسائل الإعلام على مآسيهم حين تتحدث عن شيوخ أوروبا المنبوذين في الملاجئ و دور العجزة، و تصف أبناءهم بالعقوق و الضلال ناسية أو متناسية أن شيوخهم يتمتعون بضمان اجتماعي يصون دم الوجه. لنجعل لهم الحد الأدنى من كرامة الإنسان و نجنبهم مذلة التسول في سويقات المدينة، و على أبوب المساجد و المقابر. وقد فقدوا كل أمل في العثور عن الولد الشغال أو الضال، أو الذي ألقى به الضياع إلى سجن أو رصيف

أهلا بالفضائح

قال الشاعر العربي القديم
فَغُضَّ الطرفَ إنك من نُمَيْرٍ
فلا كَغْباً بَلَغْتَ و لا كلاَبا

أيكون هذا البيت من الشعر كافيا وحده لإلحاق لعنة الغضاضة بقبيلة نمير كلها، فما عاد نميري فيها كما جاء في الخبر يرفع الرأس أمام القبائل بكل ما تقدم له و تأخر من علو الشأن و رفعة القدر؟
بل أيكون لبلاغة الكلمة مِنَ النفاذ و القوة و السلطان، ما به تنهار قيم الجماعات و الأفراد انهياراً لا قوْمة َبعده إلا بقوة تضاهيها أو أكبر؟
يبدو أن وراء البلاغة، و نفاذ الوقع في بيت الشاعر قوة أخرى ضاغطة قاهرة في ضمير الجماعة أرضختها فاستسلمت لا تحرك ساكنا، و لا ترد فعلا يجر عليها المزيد من فضائح و مخازي أخرى خفية، لوح الشاعر بها مهددا بالكشف عنها، بذات الأسلوب الموجز المعجز. فما ذكر منها و لا واحدة، بل احتفظ بها كورقة غالبة، دون أن يكشف عما تُنبيء عنه، كما يفعل اللاعبون المتمرسون
لقد مضى زمن كانت الفضيحة أو الخوف منها، أخطر وازع للأفراد و الجماعات على اختلاف المستويات، و في كل زمان ومكان، فما كان ليرضى أن ينعت بها فرد من جماعة أو جماعة من فرد، و قد جاء في الأثر "ويل لمن أشارت إليه الأصابع و لو بالخير"
و يحكى عن قبيلة "مسيوة" أنها تعتبر "الضرط"* في الجماعة، من أكبر كبائر الفضائح فقد حدث أن ضرط أحدهم في الجماعة ففضل الرحيل و الاغتراب على العيش في ذل الافتضاح بما فعل، و بعدما يزيد على عشرين سنة، عاد إلى دياره و قد تغيرت معالمها المعهودة لديه فسأل ينشدها: طرق الباب دلُّوه عليه
ـ أجابه من الداخل
"شكون؟"
ـ فلان الفلانيـ الطراط؟
فما كان منه إلا أن عاد إلى غربته بعد ما يئس من محو الزمان الطويل لفضيحته
و أيضا يحكي عن الأعراف القديمة لقبيلة من قبائل الأطلس المتوسط الأمازغ، أن الرجل منهم إذا ضبط رجلا يزني بزوجته ألقى عليه بما يمكن ترجمته أو تسميته بقانون الأصبع
"إچا غِيفْسْ أَضَاضْ"
و هو يعنى أن يشير الزوج إلى الزاني بأصبعه أمام الملأ بما يفيد في عرف الجماعة أن الزوجة المنبوذة، لها أن تتزوج بأي رجل في القبيلة يريدها إلا المشار إليه بالأصبعلا ثأر و لا انتقام، و لا فتنة، و لا دماء تسيل. أتكون أعراف القبائل أو المجتمعات البدائية في فطريتها أرفع و أزكى مما هي عليه في عصور تمدين الشعوب؟ و استحداث القوانين و العقود ذات الفصول و البنود باعتبارها للشهرة رصيدا و الإشهار علما تجاوز أخصائيون فيه حد الإشهار المباح، إلى التشهير المستباح، فغدت الفضائح بترددها على الأسماع و الأبصار على صفحات الجرائد والمجلات و الشاشات و وكالات الاستخبار و الاستعلام، شيئا مألوفا أعُد له ما يبرره من تشريعات رادعة تحوطه بالصيانة" والحصانة" بحيث يعبر الجهر بمنكرها أو النهي عنها قذفا يستوجب السجن و تعويض الشرف "الذي قد يرقى إلى مئات الملايين"
ما عادت تملك الجماعة في عالم اليوم إلا أن ترى و تسمع من الفضائح المنتشرة ينبعث خنزها من الكواليس المربية، و الشركات المستنْزِفة، و المجالس الصورية، و الأندية المتآمرة و المؤسسات الملغومة.....
أهلا بالفضائح تورث النجومية و الإسم اللامع مهما أمعنت في البذاءة و الخزي، فما عاد مخجلا أن تشيع في الناس و في المكتوب و المرئي و المسموع
بل أكْرِمْ بها حُقْنَةَ صبوحٍ أو غبوق

اللي شاف يبكي

كنا ثلاثة في مقصورة قطار. ننطلق من نفس المكان إلى نفس المكان. محكوم علينا لطول المسافة، أن نتبادل الكلام باللسان أو بالعيان. كنت أنا أقل رغبة من الاثنين،الشاب و الشابة ينتهزان كل فرصة متاحة، من أجل ذلك، للذكر رفع الحقيبة الثقيلة إلى الرف، عساه يفوز بكلمة شكر يدين بها للأنثى، و للأنثى اختلاس النظرات و الانهماك المترنح بأسلوبها الأنثوي في معالجة تقاطع الكلمات
و ابتدأ الكلام بإقبال بائع المرطباتـ تشربين شيئا؟
ـ و بمنطق كقطر الندى
إسمح لي
لا أشرب
لا آكل، حتى "لْميدي": تعني : منتصف النهار و من تم لم ينقطع الحديث إلى نهاية السير. ثرثرة الشباب، و رعونة الشباب، وكل ما ينسجم مع تلقائية الشبابأما أنا، فقد عانيت من ذلك الحوار. كان الفتى مُعَرَّبا و الفتاة مفرنسة. و لم يكن أي منهما يهتم كثيرا بما نسميه نحن في جيلنا بالتجاوب. إلا حين يتعلق الأمر بالإغواء الجسدي المتبادلكنت أنا أحس بتوتر و ضغط شديدين، من الحوار الأعمى، فتعظم الرغبة في نفسي بالتدخل للتصحيح، فأكبحها اتقاءً لسوء رد محتمللم يخفف من وطأة البلاء، سوى فترات تساؤل صامت يثير في نفوسنا نحن الكتاب عادة، هموم قضايانا الكبيرة، التي ما طفقنا نجترها و تحيرنا، و تحير من يستشرق فيها و من يستغرب و من تستأصل أو يستحدثالأصالةـ المعاصرةـ الهُويةـ العالميةـ المحلية عائدات العرب خلافات العرب الاستلاب الاغتراب ألخو تبقى ميرسي و ميدي و بيانتو، و سيرتو، و ديجا و إيليم، و دوزيم، تبقى دائما تُخصب و تُخصب. و هي السيدة و السائدة حين الحديث عن أرقى الصالونات و المأكولات، و أحلى الأنغام و أحسن الأفلام و أشهر الأزياء و اللوحات و الرجال، و مستحدثات التكنولوجيا و أدق العلوم. و حتى في التافه و المتخلف و الدارج يبقى للمستعربين ما يبقى، و للمتفرنسين ما يبقى. لهؤلاء مسارحهم و ملاهيهم و مدارسهم و مؤسساتهم، و لتلك أخرى، لا تجاريها أو تشبهها، و مع ذلك، يختلطون في الشارع و المكتب و المجلس البلدي و البرلمان و الحكومة و معصورة العطار. فكيف يتفاهمون ويخططون؟
لم أطق و أنا أتلظى، فجازفت بالسؤال بعد الاستئذان
ـ هل لي أن أسألكما؟
ـ فقط من أجل السؤال
ما السبب الذي يجعلكما تخلطان لغة بلغة في مواضيع جد بسيطة، في غنى عن استعارة لغة ذا أو لغة ذاك؟
قالت الفتاة: بصراحة
قلت: بكل صراحة
قالت: ترْبيتْكُم "آ بّواتنا"
لم أكن أتوقع جوابا كهذا، و لكنني أحسست بالخجل في حق أبنائي بسكوتي وجُبْني و هم يستلبون

الفاطمة

تمر بالشوارع التجارية الكبرى، بمدن فرنسا الكبرى، فتقع عيناك بين حين و حين، على السمراء المغربية، تعبر الممر إلى الرصيف الآخر، في الحشد الجافل من الشقراوات ذوات العيون الزرقاء و الخضراء، ترسل نظرة الغريب إلى الغريب، في تمايلها الساخن العفيف، و اللواتي يعبرن الشارع من أشباهها كثيرات، فتتساءل. و يجيء الجواب، و أنت على المائدة ضيف مغربي عابر، تعوّد على تناول غذائه في البلد وقت الزوال، و سيدة البيت تقدم الطعام، و تشرف على المائدة و الضيوف، من البسملة إلى الحمدلة، و أبو الولد يمد رجليه في غفوة قد تطول أو تقصرلا نساء في البيوت هنا بالنهار أيها الضيف المغربي العابر. كلهن أو جلهن في "الميناج" و الطعام في الثلاجة مشطور للباقين الخوالف، من أطفال ضائعين، و بالغين عاطلين، و دارسين مطرودين مع إيقاف التنفيذ. حتى إذا جاء المساء، عادت السمراء من الميناج متعبة، مسرعة تُعدّ الطعام، مسرعة تأكل، مسرعة تنام على ضجيج تعاقب فنوات التلفزيون الدسمة. هذه حالها إلى نهاية الأسبوع حيث ينتظرها المناج الأكبر، المثقل بالمتاع التلاوة (soldes) الرخيص. و تكابد، و تحمل و تلد، و تنفق على البيت و الزوج العاطل، و الولد الضائع و الأهل في البلد الحبيب، و قد طال غيابها عنه و عن شمسه، غير ناسية زيارتها الأخيرة. و في كل زيارة تسترضيهم بهدايا ترهق و لا تكفي، ثم تعود مشتاقة أو راضية بجحيمه الذي تعودت على مكابدته. كل هذا من أجل الأولاد ليدرسوا و يندمجوا فلا يدرسون و لا يندمجون. و من أجل أن لا يكونوا أغرابا على البلد الحبيب، فلا يعودون، و ربما تأتي موجة عنف، فينتهي كل شيء. و ربما يأتي حظ من تجنيس، و ربما يفتح الله فتفوز بمن ينفق، من ذرية أو مما اختزنته من عرق "الميناج" في صندوق ائتمان يوم يضيق الحالحاولت أن اقرأ على وجهها تلك المغربية، ما يوحي بأنها ليست محنة بالقدر الذي أتصور فاستمرئ مع نهاية الرحلة ذكرى طعام تعدمه يدان "مقرنفتان" شريفتان. حاولت أن أقرأ شيئا غير الذي أرى و أسمع، لا شيء. وجوه نزعت عنها ملامح التعبير، فإذا هي قد ماتت منذ زمان، منذ ماتت فيها الأنثى، منذ مات الحب والغيرة. تلهما الفرنسي خلف "الميناج" و الزوج الذي نسي رجولته، الزوج القوام على المرأة يصون جسدها و جمالها وحبها. و نسيها مجتمعها الساكت، و هي إلى الإشهار و التلميع مستوردة، و الإثارة و الجنس متبرجة، و قد ترحل إلى البلد آخر رحلة لتبيع البيت المقام على أرض الوطن، كانت قد اشترته للعودة. تبعه لتستريح من متاعب مستأجر مُخلف، أو مؤتمن مخادع،بعد يأس من عود محتمل، تبيعه لتشتري بثمنه زواجا أبيض، خاليا من زغرودة أفراح البلد، و رقصة البلد. حتى "معيور" البلد الذي لا تأتيه بعدُ إلا في صندوق خشبي بالباهظ من عرق "الميناج" سددته لسنين و سنين لشركة "إيجاد"، و يا له من إنجادو تلك أخرى، لا تكاد تميز مغربيتها إلا في لهجة مستعربة كلهجة الأجانب. و يقولون أنها استطاعت أن تندمج، إذ فازت بأن تختار لها فرنسيا يستهويه الزين العربي و البلد العربي، و ما يوفر عليه نكد المساواة، بإسلام يعلنه و لا يضمره، تيسيرا لطلاق حتى بالنيابةتلك أخرى بموازاة المؤهلات و التحايل. يرى فيها الجيل الأول البنت الضالة، التي حظيت ببعض العلم واكتسبت به بعض الوسيلة لإثبات الوجود بالذي هو مشروع عندهم وقانون. فتستوعبها جمعية أو مؤسسة، بهدف ترشيحها للدفاع عن المرأة المسلمة المقموعة الراكعة المستعبدة من طرف الرجل: الأنتيكريست" فيُسمع صوتها و تعرض صورُها و يَتَلقَّف إنتاجَها إعلام مغرض مهللا و معجبا بهذا النموذج الذي فاز بالحرية و بتفكير يسفه به المقدسات. بالاستقلال، و بالتصرف في جسده حتى خلف واجهات عرض الأجساد في" بيچال و بْرَبانْ" و غيرهما من أسواق بيع الأجساد كثير. و هكذا يشتهر منهن في الصحافة و الفن و الانحراف، فَتَكَوَّن بذلك كله لدى الأوروبي العادي الاقتناع بأن الغرب قادر على أن يفعل هذا بكل شباب العالم الثالثتلك أخرى، من هذا النموذج أو ذاك، تبدأ رحلة أخرى تنتهي إلى جحيم المغامرة المشحون بالمصائر المظلمة في بارات ومقاصف التجارة في الرقيق الأبيض و الأسمر، إشباعا لغرائز أصحاب التركيب المزجي من ذال الذهب الأسود و دال الدولار الأخضر. تعبئة وراء تعبئة إلى حيث الدال القاتلة" دْرُوك"
رغم ذلك كله و لحسن الحظ تتبين بينهن و أنت تتجول وتستطلع، أو تسعفك الصدفة، باللقاء بسفيرات ترى على جبينهن العفاف و التأبي، رحلن للاستفادة من أجل المساهمة في بناء البلد ينهلن لأجله من معرفة شاءت الظروف أن لا توجد في بلدهن و أن توجد في الغرب. و يعتبرنها جزءا من عطاء الإنسان من كل مكان و من كل العصور. قليلات، و لكنهن يمتلكن الرؤية الهادئة، البعيدة عن التوتر و العصبية و التعصب. تجاوزن بها الحيرة و التمزق والضياع، إلى الوعي بان الأزمة في الواقع هي أزمة الإنسان ككل، و أن تجاوزها ليس مستحيلا إذا انطلق شبابنا العربي و معه الشباب في كل بلاد الدنيا الثالثة، من مواقع الدفاع ضد كل ما هو غير إنساني في هذا العالم الشقي بمادياته الطاغية القاهرة في الشرق والغرب

الفقيه العربي

الجماعون أنواع و فئات لا يحصيها عد. فمن جماعي التحف النادرة، إلى جماعي الأشياء البسيطة المتداولة في حياة الناس العادية. ما يساوي منها الملايين و الملايير، و ما لا يتعدى ثمنه بضع دريهمات
و إذا كان للجماعين من كل ذلك ما يرضي ولعهم، أو يشبع فضولهم، أو ما يشير إلى حسهم الحضاري و الفني، أو إلى حالة مَرَضية فيهم، فإن الفضل يرجع إليهم في الحفاظ على الكثير من المبتدعات و المستحدثات. بل لا يقل دورهم عن دور المتاحف والخزانات و المجمعات و المعاهدو من أغرب من صادفت من بعضهم جماعا للعصي. لا تدفعه هواية أو اتّجار أو انحراف، أو رغبة في التملك من أجل التملك. بل لغاية يجليها الحوار التاليفي بيته الذي يحتوي على المثير من نوادر الكتب الأدبية والتسجيلات الفنيةقلت لصاحبي: أرى في بيتك عصيا كثيرة، هل أنت جماع للعصي أيضا؟
ـ نعم أنا جماع للعصي أيضاـ هل لي أن أعرف المزيد؟
قام من مجلسنا الذي نحن فيه، و قادني إلى حجرة صغيرة من نوع الحجرات التي كانت البيوت المغربية القديمة تخصصها لتخزين أو غيره من المنافع: "قوس"
فاندهشت لكثرة العصي و تنوعها
الطويلة، و القصيرة، ما رقّ منها و ما غلُظ. و المعقوفة، والمدببة و الملساء، و التي في طرفها عقدة على قدر قبضة اليد، والمنتهية بسوط جلدي أو حبل مفتول أو سلك حديدي مقوى
أخذ صاحبنا الجماع يدلني على بقع الدم و بقايا الشعر اللاّصق بها، و مواضع تكسرها من شدة الضرب، مما أثار في نفسي تأثرا وتوترا ليس بعدهما من مزيد. فغادرت المكان على التو
ـ لمن هذه العصي؟
ـ للجلادين، نعم، للجلادين
ـ أما يزال في عصرنا، عصر الديمقراطيات و حقوق الإنسان، جلادون؟
إبتسم الفقيه العربي ابتسامة إشفاق ساخرة و قال: لن أدخل معك في جدال حول مضمون سؤالك. و لكن ينبغي أن تعلم أيها الشاعر الرقيق المرهف، أنهم يجلدون لسبب. أو لغير سببٍ بل يُحَمِّلون المجلود جر عربات مثقلة بأكياس كبيرة و يردفون راكبا أو أكثر، و يمر بالشوارع العمومية على حاله ذلك، دون أن يلتفت إليه أحد، حتى أوصياء الأمر. فأبادر أنا إلى انتزاع هذه العصي والسياط من أيدي الجلاد. و قد أنْهالُ عليه بها، أذيقه مما صنعأضاف صاحبي. لقد أنْطَقْنا الحيوانَ معبرا عن معاناته منذ كليلة و دمنة، إلى الرسوم المتحركة. ما لهذا الإنسان لا يرحم؟
هذا شأن الفقيه العربي في مدينة لا يقل عدد سكانها عن مليون نسمةلا أخفي أن حدة تأثري قد خفت لدى سماعي أن المجلود حيوان و ليس بإنسان. كأن جلد الحيوان شيء عادي لا يثير أي شفقة أو اشمئزاز. إذن ففي داخلي أنا أيضا جلاد و إني لمدين للفقيه العربي الذي نبهني إلى وجوده في ركن مظلم من النفس الأمارة بالسوء

البطنة

يعرّف الفقهاء الصيام بأنه إمساك عن شهوتي البطن و الفرج، ثم التحلي بكل الفضائل الإسلامية الحميدة إيمانا و احتسابا، طمعا في الجزاء خص الله به نفسه ، أن يغفر من ذنوب الصائم ما تقدم و ما تأخر. إنه لحظ عظيم، أن ينعم المخلوق الجزوع الهلوع الكنود بهذا الفوز الكبير
قال الشيخ هذا و أرسلت عيناه دموعا على لحيته المشتعلة شيبا و وقاراً ثم أغضى و سكتلا، لم تسل دموعه من خشية الله المعهودة في أقواله و أفعاله فحسب بل مما رآه و نحن عائدون من جولتنا المسائية الرمضانية كل يوم في حي من أحياء المدينة العاجّة الصاخبة، من إقبال الصائمين و تهافتهم على "شهيوات" البطون، البلدي منها والمستورد. و الشيخ يعلق على ما نشاهده منها و من أحوال الصائمين الشاذة الغريبة الحريصة المتهافتة. أو ما يبدو من آخرين ـ و قليل ما هم ـ يوزعون المحبة و التحية الإسلامية، و يهمسون بالذكر و القول اللطيف في تواضع جم، و سلوك رحيميعلق الشيخ على كل هذا مستحضرا الشواهد و اٌلمشاهد من أخلاق الإسلام و السلف الصالح، في أجمل ما يعلن و ما يضمر، فأجدني من أثر كل ذلك، تارة في واقع مزعج مخجل، و أخرى فوق الواقع أو دونه، باستحضار الشيخ للمدينة الإسلامية الفاضلة التي انطمست معالمها، إلا في القلوب المؤمنة المتأهبة المتحفزة، و هي تضع هنا و في كل المغارب و المشارق، أولى خطواتها لاستعادة تألقها و إشعاعها الكريمينعاد الشيخ اليوم من جولته أشد تأثرا و ألما من كل ذلك، خصوصا من ظاهرة جدَّت في بعض أحياء المدينة. ذلك أننا تعودنا أن نقف أمام واجهات مكتباتنا تطلعا للجديد، و فيما يعرض على رفوفها من غذاء الأرواح و العقول، نضيفه على اليسير في قفتنا المتواضعة. كانت دهشتنا عظيمة لما فوجئنا بمنظر أطباق الحلوى "الشباكية" و قد وضعت مكان الكتب في الرفوف نعم أطباق الشباكية
أما عن شهوة الفرج فإن القلم يستحي أن يصور ما يعرض في الشوارع و الأزقة و الدروب، و السراديب و العلب و الأندية والمقاهي. و منكرات و منكرات يشاهدها العائدون من صلاة التراويح. آلمنا من تصورنا أنا و الشيخ لأيدي تجار "الدقيق" و الرقيق و هي تعرض هذه و أخرى و تزيح تلك و تلك. و تصورنا من خلال هذه الظاهرة مبلغ التردي المهول الذي أدركنا و نحن ندعو إلى الفضيلة و نقترف نقيضها، و كيف أصبحنا راضين أن يُقْبَلَ بهذه البذاءة تحت طائلة قانون العرض و الطلب، على شهوات البطون و الفروج و نزيح ما عداها من الفضائلقال الشيخ هذا و بكى و صمت و نحن على الخوان الخالي إلا من حساء شعير و بعض رطب و كأسي لَبَن: محتويات وجبة الشيخ. و البيوت من حوله تتنافس في إعداد الموائد على أنغام موسيقى الفردوس المفقود بما لذ و طاب، من طعام و شراب، مشفوعة بالدعوات يتلوها المبتهلون على شاشة التلفاز قبيل أو بعيد الفطور: اللهم تقبل صيامنا و انصر المسلمين في الشيشان و البوسنة، وأجسادهم تتطاير تحت وابل من قنابل الروس و السَّرب "المتخلفين" و فرجةِ العالم "المتحضر" و تشفّي عصابات العنصر و العرق. قال الشيخ هذا و بكى و صمت. و ما كنت لأملك له و لنفسي إلا أن نزيح عن أنفسنا القنوط من رحمة الله و نوطد العزم مع آذان طلوع كل فجر جديد، على إضافة لبنة أخرى للصرح الإنساني المهزوز منذ فقد الإنسان السيطرة على شهوتي البطن و الفرج

x الزنقة إكس

الأماكن كالناس في الحظوظ. فمكان تقام على أديمه الحدائق والأشجار، ينعم بالضياء و الظلال، و بالسكينة و الوقار، و حسن الجوار، و آخر يُكالُ له من البلايا ما تقشعر له الأبدان. ضجيج وعجيج، و رطوبة و قاذورات. فالأمكنة المحظوظة برعاية الحكام و ورقي المحكوم، يُنتقى لكل مكان مكانُه الذي يناسبه. أما الأمكنة المبتلاة باستهانة الحاكم بالمحكوم و استغلال غريزة اٌلطمع والخوف فيه فلا تسل عن أنباء تأتيك منه غرائبها عن حالها و المآل
و عليك أقص قصة زنقة في مدينتك يعرفها كل من في البلاد و العباد من مخلوقات الله بشرا و حيوانا و حشرات. لا تتجاوز بالمتر مئة، شاء لها الحظ أن تتسع لأربع خمارات تميزت واحدة منها بما تتميز به ملاهي عِلية، القوم، من متع و ملذات. أما الباقيَة فللباَقينَ من ((السوقة)) و ((المتسكعين)). و مع أول إشعاعة نور، الصباح يخف إلى جانبها، نسوة بئيسات قادتهم الفاقة إلى (الموقف) أو الرصيف يعرضن أجسادهن لأي شغل، فتراهن و قد أقبل الزبون، يتدافعن و يصارعن، و يتبادلن الشتائم و اللَّكمات والركلات، ثم يذهب المختارات منهن إلى حيث لا يعرفن المقصد والهدف، و يعدن إلى نفس الموقف، بكل تلك المواصفات، أما الضعيفات و العجائز و الذميمات، فيفترشن ورق الكارطون، يقلبنها تسولا و تشاجرا و عبثا إلى أن يداهم الظلام، ليحل محلهن أطفال مشردون تائهون، يلتمسون الصدقات و يتلقفون دخان الشكمات يكتنزونه في شراويط قذرة مهترئة من شميم مترسب. و قد يسقط أحدهم من دوخة شميم مركز، فيتخطى جسده المارة ممتعظين متاففين. و غير هؤلاء بالغون مخدرون بالكحول المركز الرديء، أو البيرة التي تنتشر رائحتها من أفواههم و من الخمارات، و من اختمار البول على الجدران و الأبواب، يمتزج كل هذا الذي ذكرت و ما لم أذكر بتلوث قاتل، من محركات السيارات و الشاحنات العابرة، للشحن أو التفريغ و من سطول القمامة المكشوفة المحاطة بالقطط و الكلاب التائهة و مخلوقات بشرية مثلي و مثلك من لحم وعظم، تبحث لها في أغوار تلك السطول عن بقايا طعام، حتى إذا تم إخلاء الزنقة المنكوبة من تلك "النفايات" و انتصف الليل أو يكاد، أخذت السيارات الفخمة من أحدث طراز مكانها الذي بجانب الملهى الفاخر يحرسها حراس غلاظ شداد المشاغبين بالمرصاد، مَنْ تطاول فالرعاف. ها هم العِلية إلى القرار هابطون. فلان و ابن فلان، و فلانة بنت فلان، بأزيائهم الفاخرة و فساتينهن الكاشفة، وأجسادهن المتبرجة و سيقانهن العارية بلون الرخام، و شعورهن المتهدلة المرسلة إلى الأرداف. فلا يصعدون إلا في الفجر على صوت الآذان و هم سكارى معربدون، يرسلون الضحكات والقهقهات و يضربون بقوة أبوب السيارات و يشغّلون الكاسيط بموسيقى الراي و الديسكو تتخللها الشتائم بالملة و الدين... إذ ينقلبون من الخطو الرشيق و الزي الأنيق، إلى الحيوان المسعور الطليق، فيبدأ العنف بفعل التخدير، و تسيل الدماء و يعلو الصراخ و العويل، أما السكان في الزنقة فقد أغلقوا النوافذ، يضاجعهم الخصب و الذعر و الجبن من العلية، ذات النفوذ البارعة في تأويل الواجبات و الحقوق "لذلك الإنسان"
أولا تعكس هذه الزنقة الصغيرة إزاء ذلك الشارع الكبير، الوجه الآخر للإنسان في طغيانه و شراسته، تماما كذلك الذي ينتهك الحرمات في البوسنة و يجوع الشعب في العراق، و يستغل المستضعفين في الصومال، و يقتل الأطفال في فلسطينهؤلاء كأولئك يقتحمون عليك هدوءك و سكينتك على مرأى ومسمع من ولدك و أهلك و أولياء أمركهل عرفت المكان؟
لعله بجوارك

"الاكسبريس"

كلمة القهوة لا تعني البن عربيا بل تعني الخمر أو اللبن المحض. و كان مصدرها في البداية من إفريقيا الاستوائية و الوسطى. ثم عمّ انتشارها بعد ذلك في كل أقطار المعمور حتى غدت من أهم الموارد الاقتصادية لمنتجيها
و لقوة استهلاكها يزداد الطلب عليها و ترتفع الأسعار و تنشأ المضاربات و الأزمات
و قد أفرزت هذه الشجرة العجيبة بلونها و نكهتها و فوائدها و مضارها، ثقافات و أساليب و حالات و نماذج و تخصصات، مما أفضى بالمتنافسين إلى إقامة منشآت بها و دور و صالونات و ما يرافق ذلك من فنون الإشهار لإعداد القهوة و شربها. فترى الناس حولها أفرادا و جماعات يجتمعون و يدمنون. و هذه اللقطة صورة من بعض ذلك
في المقهى يعيشون، في المقهى ينتظرون الحب و الشغل، و يجترون و يتجمعون و يتفرقون و يحلمون و يضيعون
في الصباح و الغدو و الرواح تمر بهم جالسين يترشفون القهوة و يدخنون المالبورو
400 مقهى في العاصمة الرباط وحدها دون الحانات و الملاهي الليلية و العلب و المقاصف و الفنادق. 40.000 ألف جالس كل يوم أو تزيد و يصبح الرقم أشد هولا و أعددتها في كل العرى و البوادي و المدن
و إلى عهد غير بعيد، كان المغاربة يعتبرون الجلوس في المقاهي بدعة ضلالة، يحرصون على تجنيب أبنائهم ورودها و مجالسة من يؤمها من الأشرار و الصعاليك. و يدور الزمان دورته على هؤلاء و أولئك، فإذا هم في عداد الربعين ألف مواظب
و بقض الشر أهون من بعض. لا يسعهم إلا أن يكثروا من الحمد على أن هداهم الله فما و لجوا الحانات و المعا صف و علب الليل و البارات ينطُّن على ضجيج الديسكو و غثيان المخدرات. و الذين يناهزون الثمانين يتحدثون عن مقاهيهم المشهورة في كل مدينة، و هي لا تتجاوز أصابع اليد كمقهى المصرف بمراكش. و العشابين بفاس. و الحافة أو الرقاصة بطنجة. أو الزريرق بأصيلا. و كانت على عاهاتها الكثيرة مقصورة على الرجال البالغين و لم تكن لتخلو من آداب، لا يجرؤ على مخالفتها أحد يعمرونها للتسلية بسماع الغناء في ماكِنات لا يطيقون شراءها أو لا يجرؤون على فعل حرام لو يطيقون. و تجمعات أخرى للتسلية في العرصات و المنتزهات خارج الأسوار أو داخلها في الحدائق و البساتين، و صالونات البيوتات الكبيرة تحاط بالسرية و الكتمان، لا يباح دخولها للفتيات و الفتيان
أربعون ألف شاب و شابة و ثلة من الشيوخ و الكهول بالعاصمة وحدها، يمارسون الجلوس في المقاهي لساعات طوال، تهدر طاقاتهم و يصدأ تفكيرهم، و تتعود على الكسل سواعدهم
يجلسون هكذا كل يوم ترهقهم ذلَّة الفاقة و فقدان العزم، و ما برحوا يذمون الحكامَ، و يلعنون الحظ و عسر الزمان. و لا تزال المقاهي تفتح، و يمنح الترخيص لها من أجل الجلوس، و يتزايد الإقبال على الجلوس لكل فئة دوافعها و المقاصد
أين منا عهودا لنا من قرون خلت و المجالس فيها منتشرة حتى في الأسواق: عكاظ و المربد بعدها. و كيف تطورت إلى أندية ازدهرت فيها الآداب و العلوم و الفنون على غرار ما كان يجري بأندية الفرس و الرومان. على عاهاتها من مجون و تحاسد بين روادها العلماء و الفنانين و الشعراء أمتعتنا و مازلت بمناظراتها و محاوراتها و تقاليدها بفنون السلوان، تجاوز حدود الرقعة العربية إلى شتى البلدان و الأقطار و الديار. على عاهاتها بلك، تركت الأجيال إرثا غنيا في الصناعات و الفنون و الآداب و سجلت مشاركة أعيان الدولة و الحرائر. و اجتذبت فضول الفقهاء و رجال الفكر للخوض في الصالح منها و الطالح
أين منا بلك الأندية، و مقاهينا لا تفتح إلا لاستهلاك الجلوس و الدخان و الكحول و لغو الحديث، في عصر لا يعذر فيه الجاهل عن جهله و العاطل عن بطالته، و المتواكل عن اتكاليته و تقاعسه عن السعي في الأرض. يتآكل كالكرسي الحامل لجسده العالة الفضلة. كيف أضعه في إطار الضرورة أو الاختيار أو التبرير؟
أي إيجابيات له قد خفيت علي في الباطن و الظاهر و على جنبات الطريق نساء و رجال، و فتيات و فتيان يستهويهم من كل تلك المقاهي على كثرتها و عاهاتها أن يجلسوا على كرسي فارغ و لو لحظة لارتشاف إكسبريس واحد تفغم أنوفهم نكهتُه، أنوفَهم المحرومة إلا من "الشميم" و عن أمر هؤلاء الجالسين على الدوام يتساءلون
من أين لهم ما به يأكلون و يشربون و يدخنون المارلبورو و لا يعملون؟

الثلاثاء، ١٩ ديسمبر ٢٠٠٦

العربي القذر

اعتدنا على سماع عبارات التحقير من غير العرب في شأن العرب، و خصوصا منهم اولئك الذين لم تحظ لغتهم تما يكفي من التهذيب و اللياقة و الإحترام في مخاطبة "الآخرين" و لعل عبارة العربي القذر، أكثرها انتشارا و ذيوعا. سمعناها و نحن نمر بشوارعهم النظيفة الأنيقة: sale arabe "سال أراب"، مع أن هُوّيتنا العربية ليشت أقل نظافة و أناقة و سلوكا
إننا بنظرهم قذارة زاحفة، غازية و مُلَوِّثة. هذا أقل ما نوصف به، لدرجة أصبح عامل التداعي لازا بين النعت و المنعوت

لا يوجد في منظورهم بالذي تعنيه العبارة: عربي نظيف
فأين هذا مما يروى عن شجاعة و كرم العربي، و إبائه و عزة نفسه؟

هل يمكن الجمع بين العذارة و هذه الصفات و النعوت؟

ألم يقل النبي العربي للعرب و غير العرب

إتقوا هذه القاذورات، التي نهى عنها الله غز و جل: العمل القبيح، و الفعل القبيح! لماذا صارت القذارة ظاهرة ملازمة لجسد العربي و فكره و عقيدته، و طريقة معيشته؟

لا حاجة إلى القول بأنه ليس كل العرب قذرين و ليست كل الكوارع العربية قذرة، حتى إن كان بعض ذلك قد كان أو صار، فمن تخلف و فقر و جهل، لا من كبيعة راسخة و جبلّة متأصلة. شأن الجاهلين المخلفين في كل أرجاء الدنيا، من الصين إلى الهند إلى اليابان إلى إفريقيا و أوروبا و أمريكا
قد يجوز القول الْتماسا للعذر، و تحاشيا للتحامل الشامل المطلق، أن السبب في جريان هذا النعت المشين على العرب، ربما يعود، ربما، إلى أصل تسميتهم بأبي العرب ابن إسماعيل "قيذر" أو "قسذاؤ" فَتُنوسي الأصل ليترسب بفعل عصور الظلام ما ترسب في العقول الغافلة، إلى أن صيرته ألْسنة الدهماء مرادفا للقذارة و ليس منها في شيء
ولكن يصح القول مع ذلك، أن العربي قذر فعلا أو قد يكون كذلكن حين تبدو حياته مخزلة بتخليه عن هُويته و تقليده لأساليب و مناهج لن يحسن فيها صنعا مهما حاول، فانظر إلى ما عليه حاله اليوم فيما يلبس أو شرب و يأكل، أو يقتدي أو يفكر أو يخطط أو يحكم
أنه أكثر قذارة، و هو على ما هو عليه من كل ذلك؟ فهل من خلاص؟

أقول نعم
بالإيمان، لأنه و القذارة ضدان لا يجتمعان