السبت، ١٠ مارس ٢٠٠٧

وجدتها


صادفتُها في عرس أقيم بأحد الدواوير*، ملفوفة في منسوج صوفي خشن ناصع البياض نظيف نظيف و حول معصميها المترهلين دُملجيْ فضة مغرقين في القدم من نقوش بهما و أخاديد، وعلى صدرها العريض، تدلت قلادة من فلوس قديمة يفصل بينها لبان أحمر أصفر أخضر. أخذت أصعد عيني لأرى من وجهها تعابيره و وشما سيالا في أديم أبيض
من أين أصلها هذه المنتصبة كالتمثال المتأتي الأملس؟ ما زال رغم الكهولة محتفظا بذكريات نضارة و ملاحة
و على الرغم مما كان يطفح به المكان من حسناوات شابات، رفضت عيناي أن تفارقها. و كأنها اختزنت في تشاكلها ما تبقى من شباب الزمان وبهائه. فاستبقت كل من في الحاضرين لأقبل يديها في احترام الولد لوالدته بعد طول غياب
فباركتني بلمسة و همسة شعرت معهما و كأنني في مملكة الحنان. تحرك القلم بين أناملي بسرعة العدسة، فراجعت المكتوب الذي لم يكن ليجرؤ إلا على وصف الشحنة منها، أما هي فقد استقرت في وعيي كوشمها السيال في ارتكاز و عمق ينتظر الريشة الصناع!

السبت، ٦ يناير ٢٠٠٧

بانا

رجل في الخامسة و الثمانين من عمره لا يشبه أحدا في المدينة لأن أطراف جسده زائدة على قدرما عند مخلوقات الله من البشر و تتميز بلونها النحاسي اٌلأصفر. هكذا يصفونه
لا يمر أسبوع دون أن يصادفه المرء في حي من أحياء المدينة لأنه يجوبها جميعًا، في كل يوم حيّ متوكئ على عصاه الغليظة ما شيا , جالسا، يحييه الناس مارين أو بمتاجرهم أو من أي مكان، بصوت مرتفع لأنه أصيب بالصمم و يوشك على العمى إلا من بصيص يهتدي به و يتعرف به على الأشياء و المواقع و الناس تتراءى له كما لو كانت من وراء حجاب. يحسن إليه الناس دون أن يطلب منهم ذلك لأنه فقد القدرة على مزاولة حرفته كحمال وكانت شغله طيلة خمسين سنة منذ أن حدث له حادث هذه قصته

جل سكان المدينة يعرفون بَّانا يعرفون معه عربته النقالة ذات المقبضين. كان يمشي بينهما جارا البضاعة اٌلمنقولة إلى منتهاها دارا و دكانا أو عمارة. ينادونه جميعا ب" بابانا" حين يتعلق الأمر بإعفائهم من مشقة نقل بضاعتهم أو أمتعتهم المرهقة، أو حتى ما خف عليهم منها و يطيقونه. يطمئنون متأكدين أنها لن تضيع ما دام هو المستأمن عليها
لا يقدر له من الأجر قدر معلوم، لأنه ليس مُصَنَّفاً في أي سلم من وظيفة أو شغل. منك إليه يكون الأداء، و على قدر كرمك أو شحك. و رغم أن بابانا لم يعد شابا مذ أخذت تَدِبُّ الكهولةُ إلى جسده، فهو مازال قادرا على حمل ما اعتاد على حمله من أثقال. لأنه يعرف كيف يرفع و يضع و يبسط الأحجام. كيف يحتال على حملها أو جرها أو سحبها.و من أين يرخي أو يشد أو يقبض أو يُرسل كما يعرف من الكلمات و العبارات و الأمثال ما به يجعل الزبناء كرماء منصفين و ما يلائم يخلهم مُخْسِرين
لم يعد بابانا يتمنى أن يبدل الله حاله بحال أحسن منها منذ اقنع نفسه باكتفائه بما بلغ إليه فيها من شهرة و سمعة ملأت شبابه و رجولته بالعجيب الخير، و الغريب و السيء من الأحداث و الذكريات و مازال طاعماً منها كاسيا مطمئنا إلى ما اعتاد عليه في مزاولتها. كيف لا و هي اٌلتي عرفته على الكثيرين من الناس في مدينته رجالا و نساء من كل الفئات و الأعمار و الطبقات. فخبر من طباعهم و أمزجتهم و أخلاقهم. كما عرف بواسطتها جميع الدروب و المساكن و الساحات و الشوارع و تعاقبت على جسده من فصول السنة بردها و حرها و الاعتدال لا يعيبها في شيء أن تخفى عليه منها أمور و أمور. بل في ذلك ما يزينها و يزيد من قيمتها عنده. من ذلك، هذا الاسم الضخم الذي اٌنمح به اٌسمه لقبا و كنية. هذا الإجماع على إعدامه. رائع أن ينعت به فيغدو أبا لجميع رجال المدينة و نسائها صغيرهم و الكبير وجيههم و الحقير. أية حَاجة عرضت لهم فيها ليتخذوه أبا لهم؟
أتكون فقط في أن يحمل عنهم تلك الأعباء؟ أي سخاء هذا الذي أبدوه تجاهه،فأسندوا إليه كل ما تشتمل عليه الأبوة من رعاية و حنان و توقير؟
في هذه التساؤلات يسرح ذهنه و يحلو له أن يتمادى في التطاول على مقامات الأبوات بلغت إلى سمعه. أبوة في الدين. أبوة في السياسة في التقاليد و الأساطير. تارة يتربع على كرسي هذا أو عرش ذاك، أو سلطان آخر، ممن حملتهم نسبة الاختيار و الاستحقاق إلى ما يقارب الإجماع، أو تفرضه وراثة أو طغيان. ولكن لماذا لا يكافئون أبوة بابانا بما تستحق أبوته من مكرمات مثل أولئك و أولئك
يكتفي بابانا بما يعلل به نفسه، أن المكافأة التي ينتظرها ستأتيه يوم يحتاج إليها. و ظَلَّ يتعينها إلى أن اٌكتهل، إلى أن أتى يوم أدرك فيه بما جرى حقيقته و عرف قدره
يسكن بابانا في بيت متواضع بحي الكدية و التسمية لا تعني ما اٌرتفع من الأرض بقدر أدنى مما يرتفع الجبل، بل من الكدية التي تعني الاستعطاء. لأن جل سكان الحي، منها بسبب فقرهم يتعيشون. فتعوّدوا على احترافها بدل شغل مضن كشغل بابانا الزرزاي النقال الذي يرونه رغم عنائه المزمن يوفق إلى الفوز بوضع أحسن من وضعهم. و لبابانا أم مسنة يعرف الجميع أن لا بيت لها سوى ذلك تدعوه هي أيضا ب بابانا كلآخرين لم يرها أحد تغادر مكانها من البيت بسبب شيخوختها المزمنة و هي التي يحكى عنها أناس معمرون من سنها ما كانت عليه من حيوية و نشاط يدل عليه صوتها الجهوري المرتفع بالثرثرة أو الغناء أو التخاصم و هي تشتغل في البيوت منظفة أو طاهية أو عراضة أو نقافة لم يبق لها من كل ذلك ما يدل على وجودها سوى ابنها بابانا الذي لم يفارقها طوال عمره ـ كما فارقها أبوه المهاجر إلى تلك البلاد البعيدة طلبا للرزق. فانتظرت عودته أعواما و أعواما فلم يعد من أجل ذلك يضيف بعضهم إلى بابانا ولد الهجالة
كان هذا النعت يؤرقه متسائلا في حرج جارح مرٍّ عن صدق ما يتهامس به البعض. فيتمنى في أعماقه لوْ يحدث أمر مَّا يضع حدا لكل هذا التهامس المريب. و لطالما تفادى أماكن التجمعات و الحضور في الولائم و الأعراس هروبا من ذلك التهامس الجارح، إلى أن حدث في ليلة من الليالي ما رآه يحدث حوله كل يوم ممّا يصيب الآخرين حمل أمتعتهم من بيت خال إلى بيت عامر أو العكس. لم تستيقظ أمه تلك الليلة على ندائه المعتاد فور دخوله إلى البيت ليعلن عن حضوره و لم تتحرك حين رفع يدها لتقبيلها كما جرت به عادته كل ليلة قبل أن يسلم جسده للنوم
كانت تلك الليلة أطول من كل الليالي. خيل لبابانا أن ظلامها لن ينجلي أبدا و هو إلى جانب جسد جامد بارد منطو على أسراره،تلك التي عاشت حياتها تواريها كما لو كانت غورا لا قرار له. بمواراتها في التراب سينتهي ذلك التهامس الممض
آن الأوان أن تكون الصلاة على الجنازة شاهداً على البراءة و الطهارة و البياض. شاهداً على العرفان بجميل الصنع من لدن سكن الحي الذين يدينون له جميعا بما حمل لهم أو عنهم من أعباء. سيتركون أشغالهم في ذلك اليوم لتشييع جنازة أمه. أتى اليوم الذي ينتظر أن يكافئوه فيه. أن يكرّم عربته. و ما حملت ما عاش معها و عاشت معه إلا ما فضل أو ثقُل أحاطها بكل ما يُحاط به النعوش من رموز الهيبة و الخشوع، و توسط المقبضين الأملسين في تؤدة و حزن يجره مُصيخًا بكل جسده الكهل، شاخصا صوب المجال من درب إلى درب، و ساحة إلى ساحة، صوب المثوى الأخير
لم يعلن عن عبوره بعويل أو صياح أو براح، إذ لا قبل له باستئجار من يفعل، و لا ينتظر ذلك من محب في الله و صديق وفي جار جُنُب أو وريثٍ متربص
لا أحد قد أسرع لمساعدة بابانا المنكوب فيما هو واجب أو سنة أو مستحب لانتقال جسد أمه من دار الفناء إلى دار البقاء أو يتوقف من حين إلى آخر.ليتًسمَّع وقع خطىً أو صوت تكبير أو تهليل. لا أحد. ثم يتوقف لتتوقف معه كل الأسماء و الأفعال ما الذي سيصنع بابانا باٌلميتة. لا شيء سوى أن يتركها و يمضي. و تبقى هناك في عرض الطريق حتى تتفسخ و تتعفن فيملأ خنزها العالم لأول مرة سيشعر سكان الحي بأن لبابانا رائحة. كيف لم يشموها من قبل؟ ربما لأنه مجرد مخلوق ملحق بأشيائهم مضافٍ إليها، أو مضافة إليه. و أحيانا عنه لا تنفصل. هو الآن في جسد أمه الجثة، يشمون فيها رائحته حتى قبل أن تتحلل و تتفسخ. هو الآن في الذي سوف يصير إليه و في الذي سيصيرون بعد أن يوارى الخنز منهما في التراب و هم الآن بعض من كل ذلك، حتى لو لم يقتربوا من البابانا النِِتنِ و أمه
في لحظة واحدة تحول كل شيء في الحي و ما حمل و ما سوف يحمل إلى خنز
سيستشعرونه في ضمائرهم و ربما سوف يحل في جسد مجذوب آخر يطوف عليهم و هو يصيح: ما لكم لا تفقهون الحال و لسان الحال؟
أنسيتم بهذه السرعة فعلكم بذلك الغطريف الذي كان قد مات، فتسارعتم تحملون جدثه، لا تتساءلون إن كان مثقلا بالمجد أو بالأدران؟ تسارعون به إلى الخلود نادبين راثين باكين؟ مُغماً عليكم ساقطين أو متساقطين و فيكم من ألهبت سياطه الهامات منكم و الأقدام؟ أنسيتم ذلك الذي تعترفون بالوجاهة لأحد سواه فنزهتموه عن أن تلده أنثى قد تفوه منها في يوم ما رائحة خنز كهذه التي تحسونها تخلخل ضمائركم الراكدة مند زمان، لم يحركها ما جرى و يجري من ضروب الخنز في كل مكان؟
و كأني بسكان الحي بأقوال المجذوب قد استيقظوا فإذا الجثة ليست بالمكان، فبهتوا يتساءلون عمن يكون قد تسلل لمواراتها تحت جنح الظلام
لعله بابانا الذي حنى عليها باكيا من ضيم مرّ و يتم لا قرار له، أو أن كائنا من أهل الأرض أو من أهل السماء قد فعل. أو لعلهم سكان الحي جميعا، قد استيقظوا دفعة واحدة فإذا كل واحد منهم، لذلك الجسد مقبرة
منذ ذلك الصباح، و في كل صباح، يمر بابانا بعربته الفارغة، فلا يجرؤ أن ينادي عليه أحد


الخميس، ٢١ ديسمبر ٢٠٠٦

من قانا و أخواتها

أنا الطفلُ الشهيدْ

و هذا وليّ أمري اٌلذي

كان قد ماتْ

مُنْذُ اٌكتفى بالعَبَراتْ

و صهيونُ تُذِلّهُ و

تٌُذِلّني

و تذبح أمي و إخوتي و الأخَوات

و تقصِفُ بيتِي

و مَسْجِدِي و مدرسَتي

و لُعَبي و الأدواتْ

أنا الطفلُ الشّهيذْ

و هذا وَليّ أمري الذي

أَعِفّ عن نعتهِ باٌلكَلِماتْ

ليتَه وَليّ أمْري

ذاكَ اٌلمجاهِدَ سِبْط الأُباة

ذاكَ الذي

من النّصر اٌشتُقَّ اٌسمُهُ

و المحاسنِ و المَكْرُمَاتْ

ذاك الذي

أعاد لليائسينَ مَعنى الحَياةْ

بارَكَهُ اللّهُ وَلِيّاً

و أبقى ذِكْرَهُ في اٌلّصّالِحاتْ

لُــبنــا ن
و حَقِّ الذي أبدعها

بعد قَـانَـا

لن تنجبَ رٍعْدِيداًأبَدَ الدّهر الإناثْ

الأربعاء، ٢٠ ديسمبر ٢٠٠٦

لقطة من حدائقنا العمومية

عمرها سبع سنوات، رشيقة كالنغم الحالم. بلون لها أسمر إلى البياض يميل. تشعر من ابتسامة شفتيها و العينين، أنك سابح في فضاء براءة تصبغ عليك نعمة الإحساس بجمال الوجود. أما صوتها بجرْسه الساحر، فكأنك منه في رحاب شلال الإمتاع المتدفق الواهب
أقبلت علي بكل هذا الفيض الغامر ملتمسة بمجامع الملاحة والحلاوة في محياها الصبي، أن أتجول بها في الحديقة العمومية المجاورة. لم أملك إلا التلبية. و أنا و إياها نخطو برفق و يدها الصغيرة الطرية في كفي، تسحبها تارة و تتركها أخرى، خطرت لي من صمتها و صمتي خواطر شاعر يقطع بالشعر أيامه التي أخذ السام يدب فيها من طول غياب الحماس الثائر، و من ضيم حظ عاثر، في لحظة تجلٍّ من براءة، أو بهاء مكنون، أو سر محجوب مدفون، أو قيمة إنسانية عليا، و كل ما يشعره بأن الحياة مازال بها بعض الخيرمن طول الصمت و زحمة المرور، بادرت حفيدتي الصغيرة، و الصغار بسرعة من حال إلى حال ينتقلون، و عن كل شيء يسألون"بابو" بهذا الاسم دائما تناديني"بابو" أقطف لي وردة من أجل "ماما"
ـ لو قطفت لكل طفلة وردة من أجل ماما لبدت الحديقة حزينة ناقصة الجمال أليس كذلك؟
ـ نعم بابو. و نزعت يدها من كفي لتنطلق إلى الجهة المخصصة للأطفال من الحديقة، و هي عبارة عن ألف متر مربع يتوسطه حوضا رمال ركزت بهما ثلاث سلالم منحنية، اثنان للتسلق، و الثالث يُصعد من جانبه الآخر للتزحلق. لا عشب حولها أخضر، و لا ماء و لا حراسة، و لا وسائل إسعاف لو حدث حادث. بل قشور زريعة و موز، و أعقاب سجائر و مزق و أوراق ونفايات
هذه حصة أطفالنا في إحدى كبريات الحدائق العمومية بالعدو تين
مكثت فترة متحملا جهد الذي به تسام الصغيرة من هذا المكان القفر الملوث، ثم واصلنا بعدها السير في الحديقة نطوف من ممشى على ممشىً، بين الأشجار. فبادرتها و هي تمطرني بأسئلتها عن كل شيء، لأستطلع رصيدها من معرفة أسماء الأشجار و الورود والأزهار، فبُهتت أن لا تعرف من أسمائها غير الشجرة و الوردة والزهرة. و أخجلني أن يستمر التعليم العقيم الذي كان و مازال يستعاد في أبنائنا و أحفادنا. ووجدت نفسي أقول بصوت مرتفعـ كيف لا يتلفون، و لا يخربون؟
ـ ماذا قلت يا بابو
ـ إني مثلك أعبث يا بنيتي
هل نعود بابو إلى الحديقة غدا لتعرفني على أسماء الورود والزهور و الأشجار؟
ـ نعم، ثم حولت اتجاهي مغادرا هاربا من الأسئلة المحرجة حول شرذمة تشرب الكحول الرديء في ظل شجرة، و تترامى على بعضها البعض بوحشية مخيفة، و تعترض طريق النساء اصطحبن أولادهن للتزود بشميم الاكسوجين أو تزعج فتيات يراجعن دروسهن استعدادا للامتحان، و أخريات من "بياعات الهوى" يقفن على أبوب الحديقة و يساومن على أجسادهن. بما ذا عساي أجيب صغيرتي عن كل هذا و غيره، و عن المسؤولية و المسؤول، و كيف المعمول، ليتنفس أطفالنا في فضاء نظيف خال من التلوث و الرذيلة و فساد الذوق؟

بلعيد

و هذا السيد بلعيد صديق والدي. كُنا نرحل إلى ضيعته في فصل الربيع أو أيام جني الزيتون فيستقبلنا بما يليق بمقام أهل الحضر من حفاوة و كرم. و حين نغادر، يملأ سلاتنا و صناديقنا بأجود نتاج أرضه من زيت و زيتون و بيض و دجاج و غلات الموسم. هذا الفلاح الشهم الذي كنا قد فتنْنا به صغارا و فتنْنا عنه كبارا يعيش وضيعته اليوم أرذل العمر. فقد غادر أبناؤه كباقي الشباب الفلاح الضيعة إلى المدينة المغرية بألوان الفرص والتسلية، في البت و المقهى، و النادي و الملهى، و بنات الليل والشميم، و الحلم البراق على واجهات المتاجر و الشاشات، والجرائد و الكتب. غادروا الضيعة و نبذوا الجلاليب و الفؤوس، و انتشروا في المدينة بحثا عن عمل و سكن لا يوجدان إلى في الأمل الفسيح يحملونه، و دونه المخاطر و المهالكبقي بلعيد صديق والدي الشيخ، مع شيوخ الضيعات و قد رحلت عنهم السواعد القوية إلى حيث الغنى الذي سوف يعودون به من هجرتهم كهؤلاء الواردين الجدد، بمشاركتهم أساليبهم، يأخذون كل شيء و لا يعطون أي شيءهؤلاء المنبوذون في ضيعا تهم المتهالكة، لا تطلعنا وسائل الإعلام على مآسيهم حين تتحدث عن شيوخ أوروبا المنبوذين في الملاجئ و دور العجزة، و تصف أبناءهم بالعقوق و الضلال ناسية أو متناسية أن شيوخهم يتمتعون بضمان اجتماعي يصون دم الوجه. لنجعل لهم الحد الأدنى من كرامة الإنسان و نجنبهم مذلة التسول في سويقات المدينة، و على أبوب المساجد و المقابر. وقد فقدوا كل أمل في العثور عن الولد الشغال أو الضال، أو الذي ألقى به الضياع إلى سجن أو رصيف

أهلا بالفضائح

قال الشاعر العربي القديم
فَغُضَّ الطرفَ إنك من نُمَيْرٍ
فلا كَغْباً بَلَغْتَ و لا كلاَبا

أيكون هذا البيت من الشعر كافيا وحده لإلحاق لعنة الغضاضة بقبيلة نمير كلها، فما عاد نميري فيها كما جاء في الخبر يرفع الرأس أمام القبائل بكل ما تقدم له و تأخر من علو الشأن و رفعة القدر؟
بل أيكون لبلاغة الكلمة مِنَ النفاذ و القوة و السلطان، ما به تنهار قيم الجماعات و الأفراد انهياراً لا قوْمة َبعده إلا بقوة تضاهيها أو أكبر؟
يبدو أن وراء البلاغة، و نفاذ الوقع في بيت الشاعر قوة أخرى ضاغطة قاهرة في ضمير الجماعة أرضختها فاستسلمت لا تحرك ساكنا، و لا ترد فعلا يجر عليها المزيد من فضائح و مخازي أخرى خفية، لوح الشاعر بها مهددا بالكشف عنها، بذات الأسلوب الموجز المعجز. فما ذكر منها و لا واحدة، بل احتفظ بها كورقة غالبة، دون أن يكشف عما تُنبيء عنه، كما يفعل اللاعبون المتمرسون
لقد مضى زمن كانت الفضيحة أو الخوف منها، أخطر وازع للأفراد و الجماعات على اختلاف المستويات، و في كل زمان ومكان، فما كان ليرضى أن ينعت بها فرد من جماعة أو جماعة من فرد، و قد جاء في الأثر "ويل لمن أشارت إليه الأصابع و لو بالخير"
و يحكى عن قبيلة "مسيوة" أنها تعتبر "الضرط"* في الجماعة، من أكبر كبائر الفضائح فقد حدث أن ضرط أحدهم في الجماعة ففضل الرحيل و الاغتراب على العيش في ذل الافتضاح بما فعل، و بعدما يزيد على عشرين سنة، عاد إلى دياره و قد تغيرت معالمها المعهودة لديه فسأل ينشدها: طرق الباب دلُّوه عليه
ـ أجابه من الداخل
"شكون؟"
ـ فلان الفلانيـ الطراط؟
فما كان منه إلا أن عاد إلى غربته بعد ما يئس من محو الزمان الطويل لفضيحته
و أيضا يحكي عن الأعراف القديمة لقبيلة من قبائل الأطلس المتوسط الأمازغ، أن الرجل منهم إذا ضبط رجلا يزني بزوجته ألقى عليه بما يمكن ترجمته أو تسميته بقانون الأصبع
"إچا غِيفْسْ أَضَاضْ"
و هو يعنى أن يشير الزوج إلى الزاني بأصبعه أمام الملأ بما يفيد في عرف الجماعة أن الزوجة المنبوذة، لها أن تتزوج بأي رجل في القبيلة يريدها إلا المشار إليه بالأصبعلا ثأر و لا انتقام، و لا فتنة، و لا دماء تسيل. أتكون أعراف القبائل أو المجتمعات البدائية في فطريتها أرفع و أزكى مما هي عليه في عصور تمدين الشعوب؟ و استحداث القوانين و العقود ذات الفصول و البنود باعتبارها للشهرة رصيدا و الإشهار علما تجاوز أخصائيون فيه حد الإشهار المباح، إلى التشهير المستباح، فغدت الفضائح بترددها على الأسماع و الأبصار على صفحات الجرائد والمجلات و الشاشات و وكالات الاستخبار و الاستعلام، شيئا مألوفا أعُد له ما يبرره من تشريعات رادعة تحوطه بالصيانة" والحصانة" بحيث يعبر الجهر بمنكرها أو النهي عنها قذفا يستوجب السجن و تعويض الشرف "الذي قد يرقى إلى مئات الملايين"
ما عادت تملك الجماعة في عالم اليوم إلا أن ترى و تسمع من الفضائح المنتشرة ينبعث خنزها من الكواليس المربية، و الشركات المستنْزِفة، و المجالس الصورية، و الأندية المتآمرة و المؤسسات الملغومة.....
أهلا بالفضائح تورث النجومية و الإسم اللامع مهما أمعنت في البذاءة و الخزي، فما عاد مخجلا أن تشيع في الناس و في المكتوب و المرئي و المسموع
بل أكْرِمْ بها حُقْنَةَ صبوحٍ أو غبوق

اللي شاف يبكي

كنا ثلاثة في مقصورة قطار. ننطلق من نفس المكان إلى نفس المكان. محكوم علينا لطول المسافة، أن نتبادل الكلام باللسان أو بالعيان. كنت أنا أقل رغبة من الاثنين،الشاب و الشابة ينتهزان كل فرصة متاحة، من أجل ذلك، للذكر رفع الحقيبة الثقيلة إلى الرف، عساه يفوز بكلمة شكر يدين بها للأنثى، و للأنثى اختلاس النظرات و الانهماك المترنح بأسلوبها الأنثوي في معالجة تقاطع الكلمات
و ابتدأ الكلام بإقبال بائع المرطباتـ تشربين شيئا؟
ـ و بمنطق كقطر الندى
إسمح لي
لا أشرب
لا آكل، حتى "لْميدي": تعني : منتصف النهار و من تم لم ينقطع الحديث إلى نهاية السير. ثرثرة الشباب، و رعونة الشباب، وكل ما ينسجم مع تلقائية الشبابأما أنا، فقد عانيت من ذلك الحوار. كان الفتى مُعَرَّبا و الفتاة مفرنسة. و لم يكن أي منهما يهتم كثيرا بما نسميه نحن في جيلنا بالتجاوب. إلا حين يتعلق الأمر بالإغواء الجسدي المتبادلكنت أنا أحس بتوتر و ضغط شديدين، من الحوار الأعمى، فتعظم الرغبة في نفسي بالتدخل للتصحيح، فأكبحها اتقاءً لسوء رد محتمللم يخفف من وطأة البلاء، سوى فترات تساؤل صامت يثير في نفوسنا نحن الكتاب عادة، هموم قضايانا الكبيرة، التي ما طفقنا نجترها و تحيرنا، و تحير من يستشرق فيها و من يستغرب و من تستأصل أو يستحدثالأصالةـ المعاصرةـ الهُويةـ العالميةـ المحلية عائدات العرب خلافات العرب الاستلاب الاغتراب ألخو تبقى ميرسي و ميدي و بيانتو، و سيرتو، و ديجا و إيليم، و دوزيم، تبقى دائما تُخصب و تُخصب. و هي السيدة و السائدة حين الحديث عن أرقى الصالونات و المأكولات، و أحلى الأنغام و أحسن الأفلام و أشهر الأزياء و اللوحات و الرجال، و مستحدثات التكنولوجيا و أدق العلوم. و حتى في التافه و المتخلف و الدارج يبقى للمستعربين ما يبقى، و للمتفرنسين ما يبقى. لهؤلاء مسارحهم و ملاهيهم و مدارسهم و مؤسساتهم، و لتلك أخرى، لا تجاريها أو تشبهها، و مع ذلك، يختلطون في الشارع و المكتب و المجلس البلدي و البرلمان و الحكومة و معصورة العطار. فكيف يتفاهمون ويخططون؟
لم أطق و أنا أتلظى، فجازفت بالسؤال بعد الاستئذان
ـ هل لي أن أسألكما؟
ـ فقط من أجل السؤال
ما السبب الذي يجعلكما تخلطان لغة بلغة في مواضيع جد بسيطة، في غنى عن استعارة لغة ذا أو لغة ذاك؟
قالت الفتاة: بصراحة
قلت: بكل صراحة
قالت: ترْبيتْكُم "آ بّواتنا"
لم أكن أتوقع جوابا كهذا، و لكنني أحسست بالخجل في حق أبنائي بسكوتي وجُبْني و هم يستلبون